حضانة أم سجن تعذيب بقلم: مازن #نحاس، مدير حضانة الأمل للوقف الكاثوليكي – #ترشيحا

أن شيوع تعرُّض الأطفال للعنف في دور الحضانة هو مشكلة لا يمكن التغاضي عنها، عواقبها تؤثر سلبيا على الحضانات وعلى المربيات والاهل على حد سواء. فكثير من الأمهات يشعرن بعوامل الخطورة المحيطة بأطفالهن عند تركهم في الحضانات إلا أنهن عاجزات عن إيجاد بديل يوفر بيئة أمن وأمان لأطفالهن، وتزداد عوامل الخطورة هذه بسبب تراخي رقابة المؤسسات الحكومية المعنية بمتابعة الأمور البيئية والصحية والإدارية لهذه الحضانات مما حوَّل بعض الحضانات الى سجون تعذيب للأطفال دون مراقبة أو رادع. ومما يثير التساؤل كيف يمكن لمربية مع معرفتها بوجود كاميرات مراقبة ووجود قانون أن تتصرف مع الأطفال بوحشية الغابات؟ فعدم خوفها أولا من ضميرها أو من فضح سلوكها يثير الشك بنفسيتها وعقلها وأُهليتها للعمل مع الأطفال.

تصرفات هؤلاء الحاضنات العنيفات له تأثيره على جميع الحضانات والمربيات وعلى الاهل، فبسلوكهن وتصرفاتهن يصبغن جميع الحضانات والمربيات بصبغة العنف ويزعزعن الثقة بين الأهل والحضانات والمربيات. ولا ألوم تخوف الأهل من ارسال أطفالهم الى الحضانات بعد كل هذه المشاهد الصعبة التي رأيناها.

يعتبر العنف بكل انواعه من أي شخص وضد أي شخص، كان صغيرا أو كبير، وبالذات أطفال لا يتعدى عمرهم ال 3 سنوات، انتهاكا لحقوق الانسان وخاصة حقوق الأطفال. التعامل بعنف مع أطفال صغار هو جريمة بنظر القانون وبنظر المجتمع والإنسانية. أناس يتعاملون بهذا الشكل الذي شاهدناه في الافلام التي نشرت في المحطات الإخبارية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي مع أطفال أبرياء هم ليسوا بأناس، ومكانهم ليس في الحضانات ولا حتى بالمجتمع. المؤسسة التي تحترم نفسها وقبلت على عاتقها الائتمان على أطفال لأهل وضعوا ثقتهم بها وبطاقمها يجب الا تخون الثقة وتغدر بالأمانة وألا تتصرف حاضناتها بهذا الشكل البعيد كل البعد عن الإنسانية والاجدر اغلاقها.

لا اعتقد انه يوجد أي مبرر للعنف ضد الأطفال، ولا يمكن ان يعد العنف أسلوبا من أساليب تعديل سلوك الطفل، فهناك أسلوب التعزيز الإيجابي والتعزيز السلبي يقومان بهذه المهمة. استعمال العنف لتربية الطفل يزيد من اعوجاج سلوكياته لدرجة انه يصعب تقويمها حتى مستقبلا. اذ تخلق لدية اضطرابات نفسية، قلق واكتئاب وحتى عاهات جسدية احيانا. التعامل مع الأطفال بحاجة الى درجة من الذكاء في التعامل والى درجة من الذكاء في التغافل. فالطفل بالغريزة بحاجة الى مساحة من الحرية والفوضى لينمي مهاراته، وذكاء المربية في التعامل مهم جدا وكبت هذه الحاجة هو عنف بحد ذاته.

برأيي هناك نوعان من التصرف "العنيف": تصرف عنيف عفوي غير مقصود هدفه منع الاذية عن الاخرين، وتصرف عنيف مقصود، ويختلف التفسير والتعامل مع الأمرين. فمثلا إذا تخاصم ولدان ورأت المربية ان أحدهما قد يؤذي الاخر وحاولت ابعاد الاولاد عن بعضهما أو رفعت صوتها لنهر الطفل لمنع الاذية عن الاخر قد يفسر هذا عنفا مِن مَن سمع وشاهد دون ان يعرف الخلفية. ولكن حديثنا هنا عما نسمعه عن العنف المستشري والمتعمد من قبل حاضنات في عدد من الحضانات في أماكن مختلفة في الدولة. عنف وتعنيف دون أي سبب فقط لإجبار الطفل على اتباع سلوك معين تفرضه الحاضنة ويرفضه الطفل فتقوم بأذيته ليس فقط جسديا وانما نفسيا ايضا.

في كثير من الحالات منع العنف امر غير ممكن، لا العنف المتعمد ولا حتى العنف غير المتعمد. وتأتي المعالجة بعد فوات الأوان، توقيت حدوث العنف كالزلزال لا نعرف موعد حدوثه. هذا ليس تبريرا لاستعمال العنف، لا المتعمد ولا غير المتعمد وانا فقط من باب التوضيح. تكمن الصعوبة في توقع حدوث العنف قبل وقوعه، وفقط ان كنا نعرف خلفية الشخص العنيف فيمكن ابعاده وعدم السماح له بالتعامل مع الاطفال وفصله من عمله. على المسؤولين وبالأخص مدير أو مديرة الحضانة أن ينبه ويشرح ويوضح قانونية استعمال العنف والنتائج المترتبة عليه في كل مناسبة. إذا حصل عنف متعمد من قبل حاضنة ما، مهما كانت مسبباته، فلا مكان للحاضنة العنيفة في الحضانة.

القانون وحده لا يمنع العنف، والدليل هو وجود القانون واستشراء العنف رغم وجود القانون. الوحيد الذي يمكنه منع العنف هو الشخص نفسه بضميره وفهمه واقتناعه أنه أخذ على عاتقه مسؤولية كبيرة يجب ان يتحملها وأن الأهل وضعوا كل ثقتهم به ويجب الا يخون هذه الثقة. لا القانون ولا الكاميرات المرئية أو المخفية أو أدوات التنصت هي التي يمكنها منع العنف إذا كان الانسان بطبيعته عنيفا. كل هذه الوسائل تكشف العنف ولكن لا تمنعه. وإحدى مهمات مدير/ة الحضانة هي اكتشاف الحاضنة العنيفة قبل قبولها للعمل او قبل ارتكابها جريمة العنف مع أنها أحيانا مهمة ليست بالسهلة.

المناخ التربوي الامن يحدده القانون. هناك معايير وقوانين تربوية محددة من قبل الوزارات المسؤولة. مثل تأهيل المربيات ووضع برنامج تربوي شامل وتحديد السلوكيات التي يجب على الحضانة والمربيات السير بحسبها، كل هذه القوانين والمعايير تصب في خانة واحدة وهي خانة الجو الامن للطفل الذي يقضي معظم وقته مع مربيته أكثر مما يقضيه في البيت مع والديه أحيانا. تحفيز الحاضنة على استغلال غريزة الامومة الكامنة بها في التعامل مع الاطفال فهي بمثابة الام الثانية التي اختارتها الام البيولوجية لابنها ووضعت ثقتها بها، وهذا عامل مهم لإعطاء الأطفال المناخ الامن.

نحن نعلم أن كثير من الحاضِنات في العديد من الحَضانات قد دخلوا عالم التربية للأجيال الصغيرة دون سابق تأهيل واعداد. وهناك كثير من التسيّب في انشاء الحضانات ويتم قبول الحاضِنات دون تأهيل ودراسة خلفياتهم الثقافية أو الاجتماعية وحتى النفسية لدرجة أن مجال فتح الحضانات تحول الى تجاري أكثر منه تربوي ودون أدنى مراقبة من السلطات المختصة، ودون تطبيق للقانون الذي سنته الوزارة المختصة. هذا التسيب هو اهمال من قبل الحكومة وعدم اخذها المسؤولية على الحضانات. فالإهمال والتسيب في مراعاة القانون المدني والاجتماعي بحد ذاته نوع من أنواع العنف. فاذا توصلنا الى وسيلة لمنع هذا التسيّب نكون قد بدأنا بخطوة لمنع العنف بداخل الحضانات.

يتأثر المناخ في الحضانة من أمور داخلية في الحضانة ومن أمور خارجية تأتي من البيت والمجتمع، وهذه الأمور أحيانا تكون من مسببات العنف. فالحاضنة التي تعيش في مجال اجتماعي وعائلي متوتر نتيجة ظروف معينة خاصة اقتصادية، تأتي الى العمل متوترة غير مرتاحة نفسانيا يكون لديها القابلية لان تكون عنيفة بتعاملها مع ابسط السلوكيات حتى لو لم تقصد ذلك.

على الحضانة توفير الراحة النفسية والاجتماعية للحاضنة وتأهيلها لفصل الظروف الخارجية التي تعيشها عن تعاملها مع الاطفال. ظروف العمل في داخل الحضانة أيضا مسبب لتوتر الحاضنات وقد تكون سببا لعنفهن. نحن نعلم ان شروط العمل في مجال الحضانات ليست هي الأمثل، خاصة من حيث الرواتب، وحل هذه المشكلة ليس محليا انما على صعيد الدولة والحكومة ولكن يجب الا تكون سببا في العنف ضد الأطفال لأنهم ليسوا هم السبب في هذه الأوضاع لا هم ولا اهاليهم.

على إدارة الحضانة أن توفر أكبر قسط من الراحة النفسية في العمل لإعطاء شعور "أنا جاي اشتغل مش جاي على الشغل" والفرق بينهما كبير. لطواقم الحضانات أقول: المسؤولية على اكتافكم كبيرة، وضع الاهل كل ثقتهم بكم ووضعوا بين ايديكم أغلى ما عندهم فلا تخونوا الأمانة والثقة. وللأهل أقول نحن نعلم مدى قلقكم على اولادكم بالأخص بعد ما رأينا وسمعنا ما يدور في بعض الحضانات. كونوا دائما على تواصل مع الحضانة والحاضنات والاستفسار عن كل تغيير صغير في سلوكيات ابنكم، من واجب الحضانة ادارة وحاضنات سماعكم ومناقشة تطور الطفل وسلوكياته، الأهل والمربيات مكملين لبعضهم في تربية الطفل، لان مثل هذا الحوار هو الذي يعطي الأهل الأمان والشعور ان اطفالهم بأيدي امينة. ويعزز ثقة الطفل بنفسه وتوازنه النفسي وعلاقته مع الاخرين وتقبله كل جديد في حياته وصراحته ووضوحه. ليست كل الحضانات بهذه الصورة الوحشية، من حقكم السؤال والفحص مسبقا ولا تدعوا ما حدث أن يزعزع ثقتكم بحضانتكم لان زعزعه الثقة تعيشكم بقلق دائم قد يؤثر سلبا حتى على طفلكم.

ورسالة أخرى للوزارات المسؤولة: اصدار قانون الحضانات وحده لا يكفي، وانما تنفيذ القانون بحذافيره على جميع الحضانات المختلفة. القانون يمنع العنف ولكن العقاب على التعنيف غير رادع بما فيه الكفاية، فلا يعقل يكون الحكم على عنف مؤذٍ متواصل بقدر سنوات عمر الطفل المُعنَّف أو اقل وانما يجب ان يجب أن يكون بقدر سنوات عمر الشخص العنيف الذي استعمل العنف حتى يكون الحكم رادعا بما فيه الكفاية وعبرة للغير. فالتهاون في قرارات الحكم مادة صالحة لاستمرار العنف.

تحسين ظروف عمل الحاضنات وبالأخص الاقتصادية، والاشتراط على جميع الحاضنات الاستكمال السنوي وتنشيط وتجديد الخبرة بما يتناسب مع تحسين شروط العمل وبالأخص الاقتصادية لها أثر كبير على تغيير ظروف ومناخ العمل والتي بالنهاية تؤدي الى التقليل من حالات التوتر التي قد تكون سببا بالعنف وتحد من دخول أي كان الى مجال تربية الأطفال نتيجة قلة الطلب بسبب قلة الدخل.

مازن نحاس

مدير حضانة الأمل للوقف الكاثوليكي

ترشيحا