28
فبراير
إستراتيجية الولايات المتحدة الكبرى بعد أوكرانيا
كيف غيّرت الحرب إستراتيجية الولايات المتحدة الكبرى، والتي كانت تبدو مركزة بالكامل تقريبًا على الصين ومنطقة المحيط الهادئ والهندي؟
صارت تسمية غزو روسيا لأوكرانيا بالتحول التاريخي ضربًا من ضروب الابتذال بعد مضي شهر تقريبًا على بدايتهِ، حيث كانت أول حرب بمثل هذه العدوانية على الأراضي الأوروبية منذ 1945، ويبدو أن الصين تقترب أكثر فأكثر من روسيا الجريحة، وأيضًا تعد هذه المرة الأولى التي تتحد فيها الولايات المُتحدة وحلفاؤها بهذا الشكل، حتى إن ألمانيا استيقظت على حاجتها إلى إعادة التسلح.
كما دفعت صدمة الحرب بإدارة بايدن جاهدة لإعادة كتابة مخططها للأمن القومي، وكان من المقرر أن تصدر استراتيجية الدفاع الوطني لوزارة الدفاع الأميركية، التي تحدد نهج الولايات المتحدة في التعامل مع التحديات الأمنية طويلة المدى، في شباط/ فبراير، وتأخرت الآن حتى إشعار آخر. وعند صدور النسخة المنقحة من أهم وثيقة أمنية لواشنطن، سيتعين عليها أن تعكس الحقائق الجديدة: لقد غيّر العدوان الروسي الأمن الأوروبي تغييرًا أساسيًا وبطرق لا تزال غير واضحة، خصوصًا مع استمرار الحرب، ولأسباب ليس أقلها حالة عدم اليقين حيال مدى اقتراب بكين من موسكو. وقد أعطت استجابة الغرب المفاجئة، شاملةً الحرب الاقتصادية غير المسبوقة، استراتيجيي السياسة الخارجية مجموعة أدوات هائلة تفيدهم في أثناء تخطيطهم للتحديات المستقبلية.
كيف غيرت الحرب إستراتيجية الولايات المتحدة الكبرى، والتي كانت تبدو مركزة بالكامل تقريبًا على الصين ومنطقة المحيط الهادئ الهندي؟ طلبت مجلة فورين بوليسي من سبعة من كبار مفكري السياسة الخارجية أن يدلوا بدولهم حول هذه القضية،
تسليم الأمن الأوروبي للأوروبيين
ركزت إستراتيجية الولايات المتحدة الكبرى لأكثر من قرن على المساعدة في الحفاظ على توازنات قوى مواتية لها في أوروبا وشرق آسيا وبدرجة أقل في الخليج العربي. والواقع أن صعود الصين يشكل أعظم تحد طويل الأمد لقدرة الولايات المتحدة في الحفاظ على هذه التكوينات المواتية للقوة، ولا يغير غزو روسيا الوحشي لأوكرانيا هذه الحقيقة، وبالنظر إلى المستقبل، لا ينبغي لإدارة بايدن أن تسمح للأحداث الصادمة في أوروبا بتحويلها عن مهمتها الأعظم والمتمثلة في إعادة بناء القوة الداخلية لحلفها، وفي تحقيق التوازن مع القوة الصينية في الخارج.
ومن المفهوم أن الحرب في أوكرانيا قد أظهرت أن حمل أوروبا لمسؤولية أمنها ليس مرغوبًا فحسب، بل ومُمكنًا أيضًا، إذ دقّت هذه الحرب أجراس الإنذار عند الأوروبيين الذين اعتقدوا أن الحروب واسعة النطاق في قارتهم قد صارت في طي الماضي؛ نظرًا للقوانين ضد الغزو والمؤسسات الدولية والترابط الاقتصادي والضمانات الأمنية الأميركية، إلا أن تصرفات روسيا تشكل تذكيرا وحشيًا لها بأن القوة الصلبة لا تزال ذات أهمية حيوية، وأن الدور الذي تلعبه أوروبا باعتبارها «قوة مدنية» لا يكفي، وقد استجابت الحكومات من لندن إلى هلسنكي بقوة، مكذبة التوقعات القائلة بأن «النشاز الاستراتيجي» داخل أوروبا سيمنع القارة من الاستجابة بفعالية لتهديد مشترك، حتّى ألمانيا ما بعد الحداثة، ودعاة السلام، قد أيقظهم الإنذار، وأخذوا في الحشد.
كشفت الحرب أيضًا عن أوجه القصور العسكرية لروسيا، فعلى الرغم من شهور من التخطيط والإعداد، كان الغزو الروسي لأوكرانيا، الأضعف بكثير من روسيا، كارثة محرجة لفلاديمير بوتين، وبغض النظر عما قد يأمله، فمن الواضح الآن أن روسيا ببساطة ليست قوية بما يكفي لاستعادة إمبراطوريتها السابقة، وستكون أقل قوة مع إعادة التسلح في أوروبا.
وحتى لو أجبرت تكتيكات روسيا البربرية وأعدادها المتفوقة أوكرانيا في نهاية الأمر على الاستسلام، فإن قوة موسكو ستضعف باستمرار. ولن تعود المياه إلى مجاريها بين أوروبا والولايات المتحدة وروسيا طالما ظل بوتين في السلطة، وستعيق العقوبات السارية الآن الاقتصاد الروسي المنهك لسنوات قادمة. إن تعزيز النظام العميل في كييف سيجبر روسيا على الإبقاء على الكثير من الجنود التعساء على الأراضي الأوكرانية، وهو ما سيدفعهم لمواجهة التمرد العنيف نفسه الذي تواجهه عادةً جيوش الاحتلال، ولا يمكن استخدام كل جندي روسي يتم نشره لضبط الناس في أوكرانيا المتمردة لمهاجمة أي دولة أخرى.
خلاصة القول: أوروبا قادرة على التعامل مع التهديد الروسي المستقبلي وحدها. طالما كان لدى أعضاء الناتو الأوروبيين إمكانات قوة كامنة أكبر بكثير من التهديد الذي يواجه شرقهم: معًا، لديهم ما يقرب من أربعة أضعاف عدد سكان روسيا وأكثر من 10 أضعاف ناتجها المحلي الإجمالي، وحتى قبل الحرب، كان أعضاء الناتو الأوروبيون ينفقون ثلاثة إلى أربعة أضعاف ما تنفقه روسيا على الدفاع كل عام، ومع اكتشاف قدرات روسيا الحقيقية الآن، يجب أن تزداد الثقة في قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها ازديادًا وتيرًا.
تعد الحرب على أوكرانيا؛ نظرًا للأسباب أعلاه لحظة مثالية للتحرك نحو تقسيم جديد للجهود بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، بحيث تكرس الولايات المتحدة اهتمامها على آسيا، ويتولى شركاؤها الأوروبيون المسؤولية الأساسية في الدفاع عن أنفسهم. ويجب على الولايات المتحدة أن تتخلى عن معارضتها الطويلة الأمد للحكم الذاتي الاستراتيجي الأوروبي، وأن تساعد شركاءها بنشاط في تطوير قواتهم. يجب أن يكون القائد الأعلى لحلف الناتو القادم جنرالًا أوروبيًا، ويجب على قادة الولايات المتحدة أن ينظروا إلى دورهم في الناتو ليس كمستجيبين أوليين، ولكن كمدافعين يمثلون الملاذ الأخير.
لا بد من تسليم مسؤولية الأمن الأوروبي تدريجيًا إلى الأوروبيين. لا يزال الوضع في أوكرانيا دون حل، ولا يمكن استعادة القدرات الدفاعية الأوروبية بين عشية وضحاها. يجب أن تسعى الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي أيضًا على المدى الطويل، إلى بناء نظام أمني أوروبي لا يستبعد روسيا لتعزيز الاستقرار في أوروبا ولإبعاد موسكو عن اعتمادها المتزايد على الصين، ويجب أن ينتظر هذا التطور قيادة جديدة في موسكو، ولكن يجب أن يكون هدفًا طويل المدى.
انجرفت الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من سبتمبر إلى ما يسمى بحرب مكلفة على الإرهاب وبجهود مضللة لتحويل الشرق الأوسط الكبير، ويجب ألا ترتكب إدارة بايدن خطأ مماثلًا اليوم، إذ لا يمكن تجاهل أوكرانيا، لكنها لا تبرر التزامًا أميركيًا أعمق تجاه أوروبا بمجرد حل الأزمة الحالية، ولا تزال الصين هي المنافس الوحيد، ويجب أن يظل خوض تلك المنافسة بنجاح على رأس الأولويات الإستراتيجية للولايات المتحدة.

