21
أبريل
دعوا الأطفال يأتون إليّ ! عفيفة مخول خميسة- معليا
يا الله ما كان أنبل نيسان، وأوفاه ! وأصدق كذبةً أسكتت رياح الزمان يومًا ليعبر مركب الأطفال الهوينا! وتُضاء هياكل وباحات الكنائس بالشعانين ساعة ربيعية. وتغندرت تستقبل العيد طفلًا منسجمًا مع عصرهن فيرفع شمعة مزنره بالورود بديلًا عن غصن الزيتون وسعفة النخيل !!
كان اَذار الأزهر قد دعا جار الرضى نيسان لشمّ النسيم، كما دعانا. فحضر، شمّ وانحنى، وغادر مسرعًا ... شمّر عن ساعده ليُحقق المأمول منه بإحياء السكه والفدان... ووفى ! فقد رأى أن يبيّض وجه العام الضنين هذا، ويخفف الشعور بالخيبة عن جاره الباب بالباب ... ولعله يكون قد أصغى لنشيد فرح الشمال ينهمر دعوا الأطفال يأتون إليَّ ، فانهمر! أو يكون قد رقّ قلبه وقد أبصرهم بمراكبهم يقلعون، ويجدفون بأذرع فوق جبال الزبد، بينما أذرع النسيم تلوح للأمواج تناشدها: رويدك يا بحرُ ! دع مركب الريح يسير بهم الهوينة !.
لغة النسيم يفهمون، فيتنادون ملوحين بأكفّ تصطاد من رغوة العيد قبضات من نعمته، ويتدافعون قلوبًا كالماء تجري تحفر في صخر الزمان مسارات فرعية إلينا بصمت على وقع فرحهم نهلل، ونميل معهم باتجاه الريح ساعة كل عام، ونمضي متلحفين بنعمة الرجاء، سكتت رياح الزمان ساعة، وتعطلت رمزورات المرور ساعة ... فمرّ العيد، بحسنة الأطفال كما اشتهينا. سكتت محطات الأخبار ساعة ... وصفارات الإنذار ساعة ... وتعطلت وسائل الاتصال الإلكترونية ساعة ... فمرّ العيد مبتهجًا وقد اكتشف أنه طفل !! سكتت مكبرات الترويج ساعة، وأقفلت الحوانيت ساعة ... فدلف العيد إليهم طفلًا رضيا، وافترش الشطاَن معهم .. صافحهم وعانقهم .. قبّلهم ومالحهم ... ولازمهم ساعة مصغيًا مرهفًا، وهم عن ملاحم الأعياد يحكون، وأعراسًا للنسيم يقيمون ... كما أقمنا، وحيكنا. فشربن نخبهم من عذب الدمع حتى ارتوينا. وقمنا فرحًا يحلم أحلامًا مصغّرة كالتي يحلمون. واستدرنا لنا .. وخلف أسوار خوفنا عليهم من الغرق بالزبد توارينا نحلم بقيامة النور وارتفاع راياته. وتنادينا نسيّر المناديل والقمصان تساجل الرياح بصلاة مطعمة بالدعاء: أعطهم يا رب فرصة ! ولو قسطًا من ثيابٍ للتاريخ أعرناها، فلا يعيدها لهم أسمالًا منتفة لأحلام مزيفة ! أعطهم ! لعلهم يصدقون أنّا انتزعنا من الزمان فرصًا لنهدأ منها هيجان بحر التاريخ بقوة دفع الروح والايمان بقوّة الحياة... وسلطان الروح على الظلام.
أعطهم ... فأنت تعلم أنه كلما تجبّر هذا العتيّ تعظم العيد طفلًا لا يغويه الثوب المستعار مهما شُكَّ فيه من أحجارٍ وأزرار بديلًا عن قسوة ترد عنه الشرد والبرد كالتي ارتدينا، وأوينا إلى نفوسنا كبارًا شاعرين أنّا من الزمان أقوى، وإن كنا على أنفسنا الصمت دهرًا قد اَلينا.
غدًا سنخطف من سلة الزمان بعد ساعة... نتولى قيادة قارب الرواية فلعلهم يكفون عن التجديف على هوى زمانهم النهم ساعة. ونبحر في يم الكلام، نخيط لهم سترًا واقية من عواصف طاغية حتى على غدهم عينا ونستنسخ من ألف ليلة وليله حكاية كالتي يحبّون .. فنقاوم اهتزازنا من رجفة الخوف عليهم من لؤم الشيطان .. وقد زرع الأشواك وأعدّ الصلبان واستمالهم بسلال الحلوى المسممة. لأنهم حتمًا سيتهامسون ويدعون أنّا بالخوف عليهم نغالي. لكن، ومهما يكن، فإن حصل وادعوا، فإننا نقبل الادعاء بصمت حذر، كما تعودنا، مقدرين جهلهم نار خوف بجمره كم اكتوينا ... ونكتوي. ونمضي كما تعودنا لنكتب بأصابع أشعلتها هزائم ثقافية لم يقرأوا بعد عنها. وغرقات بفقاعات حضارة الشيطان منها، بفضلهم نجونا. وبفضل حرضنا الدائم على حماية شطآنهم من اجتياح تسونامياته... وتوغله في ثنايا أيامهم ... فنحن مؤمنون أنهم أبناء الرجاء وفي أرض القيامة راسخون ...

