06
يونيو
جوني منصور : يقظة العرب في زمن الضباب
قراءة في كتاب محمد محمود شلباية:
"جورج انطونيوس... الطموح التواق"
"ما بين رومانسيات الخيال والغموض الاستعماري وجدل القومية المتدفق"
يتطرّق الكتاب إلى عدد من المواضيع والمفاصل التاريخية التي تتعلّق بسيرة حياة وانتاج جورج انطونيوس، وبشكل خاص كتابه الشهير "يقظة العرب".
ولد جورج انطونيوس في بلدة دير القمر اللبنانية في عام 1892. ودرس انطونيوس في مدارس خاصة في مصر حيث انتلقت اليها عائلته قادمة من لبنان. ثم درس في كلية فيكتوريا في الاسكندرية وبعدها في كمبريدج في انجلترا. ويدّعي مؤلف الكتاب الدكتور محمد شلباية أنّ انطونيوس قد تلقى تعليمه في مدرسة موالية لبريطانيا وأنّها أيّ المدرسة بتعليمها هي وسيلة لتعميق الإمبريالية الثقافية. وهي عمليا تُساهم في تشكيل الاجيال وانتاجهم وصناعة معرفتهم. أيّ عملية هندسة العقول لتتجاوب مع الرؤى والتطلعات الاستعمارية في المنطقة العربية. وهذا يعني، أنّ عملية غرس العقول بالأفكار الامبريالية بهدف توظيفها في تحقيق المطلوب من مشاريع وبرامج تُسهِّل سيطرة وهيمنة القوة الاستعمارية على البلد الذي ستصله أو قد وصلته.
ويدّعي شلباية أنّ كلية فيكتوريا التي درس فيها انطونيوس في مصر قد رسمت الافكار الاستعمارية وصوّرتها في مُخيّلة الطلاب، لتبقى صور السلطة الامبريالية ماثلة وفارضة نفسها بقوة في مخيلة الطلاب.
يعمل شلباية في كتابه هذا على تشريح كتاب "يقظة العرب"، ومن خلاله يعمل على فهم توجهات ورؤى انطونيوس.
فينظر الى الكتاب باعتباره "البيان الرسمي للحركة القومية العربية". وأنّ انطونيوس مؤسّس أوّل للتاريخ القومي العربي الحديث (ص57). واصبح كتابه هذا مرجِعًا لأجيال متعاقبة من المؤرخين. وأنّ كتابة انطونيوس ليست فقط لفائدة المؤرخين والسياسيين وإنّما لبناء قواعد مؤسِّسة لدراسات قادمة للفكر القومي في العالم العربي، وبوجه خاص في المنطقة التي نحن فيها.
وتعرّض انطونيوس الى نقد لاذع من عدد من الاطراف بما فيها فلسطينيون، وبالأخص من الصحافة (منهم بولس شحادة محرّر جريدة "مرآة الشرق") وعدد من رجال السياسة، كما تعرّض الى نقد من بريطانيين وامريكيين. وهذا لا يعني أنّ الكتاب لم يؤثِّر. بالعكس، الضجة التي أُثيرت حواليه تؤكد ذلك. وقد رفع انطونيوس دعوى قضائية ضد بولس شحادة في المحاكم الانتدابية بتهمة التشهير.
فمنهم من ادّعى أنّ انطونيوس قد اعتمد مبدأ الانتقاء في التاريخ، وعزل بعض الأحداث عن بعضها، أو عن جوهر الحدث الرئيس، مثلاً ما هو متعلق بالقضية الفلسطينية. وسنأتي على ذكر ذلك.
ومنهم من اعتبره مدير استعماري بريطاني لكونه عمل موظفًا كبيرًا في حكومة الانتداب البريطاني لفترة طويلة. ومنهم من اعتبره مؤرخ عربي قومي.
فالصحافي المصري ثم الفلسطيني يوسف حنا (في جريدة "فلسطين" اليافية)كتب عنه: إنه العربي الوحيد الذي خاطب الانجليز في كتابه عن العرب، بلغتهم كأسمى ما تكون اللغة الانجليزية واروع ما يكون الاسلوب الفني الشرقي، وبعقليتهم في أشمل ما تنطوي عليه خصائص تلك العقلية(ص 64).
بمعنى آخر، أنّ خطابه كان مقبولاً على القارئ البريطاني بالرغم من أنّه تعرّض إلى انتقادات لاذعة من طرف اليهود وداعميهم من البريطانيين الذين حاربوه إعلاميًّا.
والسؤال المركزي الذي يطرحه ويناقشه انطونيوس بفهمه لحالة ظهور الحركة القومية العربية بأنّ هناك نهضة عربية نشأت في القرن الـ 19، وتطورت مع نهاية القرن ومطلع الـ 20 في ظلّ حكم الدولة العثمانية. فهو يعتبر أنّ البعثات التبشيرية الاوروبية والغربية عمومًا قد أولت اهتماما باللغة العربية والتراث العربي. وهذا أدّى الى بروز عدد من الأدباء والمفكرين المسيحيين في لبنان وسوريا امثال البستاني واليازجي الذين رفعوا من مكانة العربية وآدابها. وهؤلاء يمكن اعتبارهم بذرة أو نواة الانطلاقة للحركة الفكرية العربية. فالحاجة الى تنوير للعالم العربي كانت مسألة مهمة للغاية.
وانطونيوس بالرغم من تمسّكه بدور الارساليات، وهذا بفعل تأثُّره بثقافة الامبريالية التي تلقاها، إلّا أنّه يُشير إلى أنّ حركتين سياسيتين ظهرتا وتركتا أثرًا في مسار الحركة القومية العربية وهي الأفكار التي طرحها عبد الرحمن الكواكبي المفكر المسلم في كتابيه "طبائع الاستبداد" و "أم القرى" الذي يتحدّث فيهما عن الاستبداد وطغيانه، ولكنّه يتحدّث عن المستقبل برؤية اسلامية منفتحة تدعو الى النهضة. وأمّا الحركة الثانية ففيها طرح نجيب عازوري في كتابه "يقظة الأمّة العربية" داعيًا إلى الثورة على الاتراك باعتبار حكمهم طاغية. وهو، أيّ عازوري، مُتأثّر بالفكر الفرنسي والتوجُّهات الفرنسية المعادية للأتراك. لكنّه، أيّ انطونيوس بالرغم من عرضِهِ هذا فإنّه يشير إلى أنّ الفكرة القومية العربية هي من انتاج لبناني. فيتصدّى له المفكر والاكاديمي البرت حوراني فيقول إنّ الأمر متعلّق بالمنطقة التي نشأ فيها المسيحيون في لبنان. فصحيح أنّ الحركة القومية قد بدأت تبزع في نهضة أدبية إلّا أنّ فكرًا نهضويًّا آخر بدأ ينتشر في اروقة الدولة العثمانية وهي الدعوة إلى "الجامعة الاسلامية" في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. وهي فكرة كانت تهدف أيضًا إلى تجميع المسلمين بمن فيهم العرب تحت مظلة واحدة (ص 123).
بمعنى آخر، أنّ ادّعاء البرت حوراني أنّ انطونيوس قد خصّ المسيحيين العرب بأهمية واسعة في طرح وتطوير الفكر القومي النهضوي. لكنه قلـّل من دور المُجدِّدين والمُحْدِثين المسلمين في حركة النهضة القومية. ويشير حوراني الى أنّ مفهوم انطونيوس عن القومية العربية مفهوما لبنانيًا.
في حين أنّ عبد اللطيف الطيباوي قد أشار إلى أنّ حركة القضية القومية العربية هي مشروع نخبوي مشترك مسيحي اسلامي، في مواقع متفرِّقة من المشرق العربي.
وفي مسألة أخرى، يكشف انطونيوس خفايا واسرار من وراء مراسلات الشريف حسين وتصريح بلفور واتفاقيات سايكس بيكو وصك الانتداب.
ما بيّنه في كتابه "يقظة العرب" يتعلّق بأدوات تطبيق السياسة البريطانية وفي مقدِّمتها "الكيل بمكيالين". أيّ أنّ بريطانية حسب انطونيوس قد وعدت الشريف حسين في المراسلات التي جرت بينه وبين مكماهون المندوب البريطاني في مصر خلال الحرب العالمية الاولى بإقامة دولة عربية وبضمنها فلسطين، باعتبار أنّ فلسطين جزءٌ من البلاد العربية وأنّ فلسطين جزء من سورية، أو بلاد الشام. لكن بريطانيا نشرت لاحقًا المراسلات بترجمة او بنص غير صحيح عن قصد. فقام انطونيوس بنشر الصحيح، وهو من صلب المؤسسة الامبريالية. لكنه لم يفعل ذلك إلّا بعد أن أنهى عمله وانقطع عنه بالتمام.
وقدّم انطونيوس شهادته أمام اللجنة الملكية البريطانية (لجنة بيل) في 1937 حيث وجّه وبقوة اصابع الاتهام والانتقادات القوية الى نظام الادارة البريطاني الذي يعتبره جامدًا. مُشيرًا الى الفجوة الكبيرة بين حكومة الانتداب والفلسطينيين. وأنّ الحكومة البريطانية تسعى الى تسهيل قطاعات الحياة كلّها لصالح المجتمع اليهودي المُهاجر. ويُشير ايضًا إلى سياسات التمييز بين الموظفين العرب واليهود باعتبار أنّ اليهودي هو مُتقدِّم وأنّ العربي هو مُتطرّف. وأنّ حكومة الانتداب لا تسعى إلى الاصلاح وإنّما إلى تحقيق المزيد والمزيد من الفجوات بُغية السيطرة الكاملة لليهود على فلسطين وإقامة دولتهم عليها.
وأشار انطونيوس امام هذه اللجنة إلى أنّ اللاسامية هي اختراع اوروبي وأنّ اوروبا تتحمّل مسؤولية اخلاقية وتعمل على حل المشكلة على حساب الفلسطينيين واراضيهم (ص 92).
وانتقد ايضًا فكرة التقسيم الذي طرحته اللجنة (أي لجنة بيل)بدون أنْ تدرُس القضية لِعُمقها. وأنّ التقسيم سيؤدي حتمًا إلى إجلاء عدد كبير من الفلسطينيين على نطاق واسع.
والتقى انطونيوس بعدد من زعماء اليهود في ذلك الوقت، ومنهم بن غوريون، بغية ايجاد حلّ مشترك يجمع طرفي الصراع في دولة عربية أو فلسطينية واحدة مع امتيازات لليهود. لكنه أيّ انطونيوس أدرك أنّ بن غوريون وغيره من الزعامة الصهيونية متصلبون في مواقفهم، وأنّ سعيهم إلى أخذ فلسطين وجلب أكبر عدد من اليهود إليها. وخوف العرب والفلسطينيين من ذلك أنْ يؤدّي إلى ترحيل العرب.
فـ "الدولة" التي رسمها في رأسه هي دولة فلسطينية واحدة (وهذا ما كان يطرحه أيضًا بعض اليهود الذين عُرفوا باسم "بريت شالوم" ومنهم ماغنيس رئيس الجامعة العبرية صديق انطونيوس) وان يكون لليهود شكل معين من "الوطن القومي" ثقافيا ودينيا فقط ولكن ليس سياسيا.
ولمّا شارك في مؤتمر سانت جيمس أو الطاولة المستديرة في لندن 1939 توصَّل إلى صيغة طرحها أمام الانجليز بكونه ناطقًا باسم الوفد العربي أنْ يقبل العرب مقترح بريطانية بإقامة دولة فلسطينية بعد مدة انتقالية غير محددة زمنيا. وكان هذا بايعاز من نوري السعيد رئيس وزراء العراق الموالي لبريطانيا. إلّا أنّ العرب رفضوا هذا الطرح. وهنا يُبيّن لنا أن انطونيوس كان مواليا في بعض القضايا لبريطانيا، ولا ننسى أنْ نشأته متأثرة بالفكر البريطاني.
بمعنى آخر، أنّ اطراف الصراع هم:العرب واليهود وحكومة الانتداب. وطروحات انطونيوس في تلك المرحلة أنْ يسير في مسار توفيقي بينها. وهو يعرف ويُصرّح بأنّ حكومة الانتداب قد أخفقت في معالجة قضية فلسطين. وأيضًا يوجّه نقده الى العرب الذين لم يُطوّروا ادوات مقارعة ونضال مقارنة بما فعله الصهيونيون.
ويُجري شلباية مقارنة بين لورنس(العرب) وانطونيوس من باب معرفتهما بطبيعة العرب والمنطقة والعادات وغيرها. وأنّ الإثنين معًا قد وفّرا خدمة بشكل أو بآخر لبريطانية. حتّى أنّ الصحافي والكاتب المقدسي المعروف ناصر الدين النشاشيبي كتب التالي:"ويلعب جورج انطونيوس دور "الجسر الخاص" لكي يعبر من فوقه العرب إلى الانجليز، ويمر من فوقه الانجليز إلى العرب". وكل ذلك في فلسطين مُمَثَّلين بـ "الحسيني" ويقصد المفتي الحاج أمين الحسيني، حيث أنّ انطونيوس كان مُساعِدًا له بعد تركه وظيفته الرسمية في #حكومة الانتداب. لكننا نعرف الى أيّ معسكر ينتمي النشاشيبي. إنّه ينتمي إلى المعارضين (أيّ النشاشيبيين) للحسينيين (المجلسيين) بزعامة المفتي الحسيني.
يمكننا القول إنّ انطونيوس حاول في كتابه وعلى امتداد فصوله ان يبقى ضمن أصول الثقافة البريطانية ولكنه لم يكن باستطاعته ان يفصل ذاته عن جذوره الممتدة في القومية العربية. لم يكن باستطاعته أنْ "يهضم" الخديعة البريطانية للعرب سواء في مراسلات الشريف حسين، أو تصريح بلفور أو دمجه في صكّ الانتداب. ولم يكن بإمكانه هضم سايكس بيكو التي نكثت بعهودها للعرب.
وانطونيوس لا يُبقي ذاته في حلقة خيانة الانجليز للعرب، بل ينقل الى القارئ افكار الحرية التي نادى بها الاوربيون، وتشدقوا بها. وأن هذه الحرية لهم، وليس لغيرهم.
وأود أن اختم (وبعدها خلاصة)بما كتبه #المفكر الفلسطيني العالمي ادوارد سعيد عن كتاب يقظة العرب:
"انطونيوس مثقف من منطقة مستَعمَرَة كَتَبَ بمناهج التاريخ والثقافة الغربية، أيّ بلغة الامبرياليين مع ارتباطه بالدفاع عن قوميته العربية العريقة ضد الامبريالية. وأنّه أخذ على عاتقه مهمّة توجيه النقد الحاد للتعامل وجهًا لوجه مع الثقافة الغربية التي يعرفها جيّدًا، مُوَظِفًا أسلحة البحث والنقد العلمي في المجابهة والتي اقتصرت بشكل #كبير على الغربيين".
ويُضيف سعيد بقوله: "كتاب يقظة العرب كُتِبَ بلحظة تاريخية معينة ترتبط بحركة النهضة العربية، ويُعالج احداثًا في الماضي متقصيا اصولها، وأعداء الكاتب هم واقع استعماري تجاهلته اوروبا". وباعتقاد سعيد "أنّ انطونيوس يُمثِّل حالة استثنائية من التحزّب لطرفين نقيضين: بريطانيا والعرب". ويختم سعيد بقوله: "لغة كتاب "يقظة العرب" مفعمةٌ بالأسى والخيبة، وأنّ الأمل تلاشى أمام الخداع البريطاني".

