إلى أين ستفضي حرب الاستقلال الثانية التي يقودها نتنياهو؟-بقلم جاكي خوري

تركّزت تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ليلة السبت الأخيرة عن الحرب الدائرة في قطاع غزّة، والتزامه بإلحاق الهزيمة بحركة حماس. وقد رأى معظم الصحافيّين الجالسين في القاعة أنّ تصريحاته عبارة عن كليشيهات، كرّرها نتنياهو مرارًا وتكرارًا منذ بداية الحرب. كما أنّ الرغبة للانتقام من حركة حماس على جرائمها بحقّ أهالي الغلاف والتعاطف تجاه عائلات المخطوفين، لم تفاجئ أحدًا من الجمهور الإسرائيليّ.

انتظر الجميع حتّى نهاية خطابه وخطاب الوزراء بيني غانتس ويوآب غالانت، كي ينهالوا عليهم بالأسئلة؛ عن مسؤوليّة رئيس الحكومة الشخصيّة، عن التقصير والإخفاق في السابع من أكتوبر. عن مسؤوليّة نتنياهو الشخصيّة سيتحدّثون كثيرًا، لكنّ الجملة الأكثر تردّدًا في أوساط كثيرة من المشاهدين العرب كانت في الحقيقة تصريحه القاطع "إنّها حرب الاستقلال الثانية بالنسبة لنا. سنحارب ذودًا عن الوطن. سنحارب ولا تراجع. سنحارب من اليابسة، من البحر ومن الجوّ. سندمّر العدوّ فوق الأرض، وتحت الأرض. سنحارب وسننتصر".

هل حقًّا إنّ إسرائيل في خضم حرب استقلال ثانية؟ إذا كان الأمر كذلك، فماذا تعني هذه الحرب بالنسبة لخُمس من مواطني الدولة، وقسم منهم قد عاش حرب الاستقلال الأولى؟ إلى أين ستفضي هذه الحرب التي يتحدّث عنها نتنياهو، ويسعى للانتصار فيها؟

بكلّ تأكيد، لا يمكننا أن نجادل في مسألة المشاعر. تجتاح الدولة كلّها موجة عارمة من الغضب ومشاعر الفقدان. إنّ نتائج إخفاق وقصور أجهزة الدولة في السابع من أكتوبر مؤلمة، ومَن فقدَ عزيزًا من عائلته أو خُطِفَ أحد أقاربه لن يستطيع إغماض عينه عن ذلك. لكنّ نتنياهو الحامل للقب رئيس حكومة الجميع، والشّاهد منّا قبل الحرب، يتذكّر حديثه الدائم والكثير عن رغبته في الدفع باتجاه اتفاقيّات السلام والتطبيع، لا يستطيع استعمال هذه المصطلحات دون فهم عواقبها على كافّة الجماهير التي يخدمها.

كشخص مولع بالتاريخ، لا يستطيع نتنياهو تجاهل الحقيقة بأنّ حرب الاستقلال- بالنسبة لكلّ فلسطينيّ، حتّى الفلسطينيّين مواطني دولة إسرائيل- هي النكبة. مئات القرى التي هُجّرت ومئات الآلاف من الذين طُردوا، قسمٌ منهم طُرد ورُحِّل إلى قطاع غزّة، الذي تسحقه إسرائيل الآن.

إنّ صدمة العام 1948 لم تُمحَ من الوعي، وذكرُها لا زال يشكّل صدامًا كبيرًا بين الروايتيْن. لكنّنا لا نتعامل مع التاريخ الحديث، بل بمعنى هذه المقولة في هذه الأيّام العصيبة التي تمرّ علينا. في هذه الأيّام التي تسود فيها أجواء الغضب والدافعية للانتقام تتحوّل مقولة كهذه لمقولة مُلهمة ودافعة لمزيد من القمع والإضرار بالمواطنين العرب والفلسطينيّين. يحاول نتنياهو تكريس شعور النضال الوجوديّ في الوعي الجماهيريّ، والذي يؤهّل بدوره الرغبة بإلحاق الضرر.

هناك براهين كثيرة لما يحدث في الأسبوعيْن الأخيريْن- فكلّ من يعبّر عن رفضه لمقتل المدنيّين من أيّ طرف أو يخرج بدعوة لوقف الحرب، من الممكن أن يجد نفسه مشبوهًا باقتراف مخالفات أمنيّة. حتّى القوانين والتعديلات التي تقلّص من حريّة التعبير وتضيّق الحيّز الديمقراطيّ تمرّ دون علامة استفهام واحدة على تبعاتها. فدعوات "الموت للعرب" مقابل مساكن الطلبة في نتانيا تنتهي بإخلاء الطلاب العرب- وبتفريق التظاهرة فقط.

أمّا توزيع الأسلحة لكلّ متعطّش في المدن المختلطة فتبدو خطوة مشروعة جدًّا، دون الاخذ بالحسبان آثار وإسقاطات ذلك يومًا بعد انتهاء الحرب. يُضاف إلى كلّ ذلك أيضًا، محاولات وزير الأمن القوميّ إيتمار بن غفير في تعزيز اقتراح القرار الذي يمنح الشرطة إمكانيّة إطلاق الرصاص الحيّ على مُغلقي محاور السير- بخلاف ما تنصّ عليه توصيات لجنة أور. وعلى ضوء الأجواء السائدة، فمن المعقول جدًّا أن يُقبل هذا الاقتراح بتفهّم كبير لدى قسم كبير من أركان الحكومة والجمهور.

يعرف نتنياهو ووزراء حكومته ورؤساء الأجهزة الأمنيّة تمامًا أنّ المجتمع العربيّ دفع ثمنًا في الهجمة الإجراميّة التي حدثت في ذلك السبت اللعين: 19 مواطنًا عربيًّا قُتلوا، وهناك مواطنون مخطوفون، غالبيّتهم من العرب البدو. الغالبيّة الساحقة في المجتمع العربيّ أعربت عن إدانتها لإلحاق الأذى بالمدنيّين، وكثرٌ يشاركون عائلات غلاف غزّة ألمهم ومصابهم.

من ناحية المواطنين العرب فإنّ الألم مزدوج، فهم أيضًا يتألّمون لمشاهد القتل والدمار في قطاع غزّة، والثمن الغالي الذي يدفعه المدنيّون- النساء والأطفال بالأساس. كما أنّ التهديد الصاروخيّ لا يحيد عن البلدات العربيّة، لا في الجنوب ولا في الشمال، هكذا يشعر المواطنون العرب على جلدهم عواقب هذه الحرب.

ولذا، فإذا كان نتنياهو يتحدّث عن حرب استقلال، فمن الأفضل أن يشرح أيّ حملة يقصد بالضبط: تلك التي تمنح انتصارًا لإسرائيل اليهوديّة على الفلسطينيّين أينما كانوا- بما في ذلك المواطنون العرب في البلاد- أو لاستقلال إسرائيل الديمقراطيّة، والتي تعرف كيف تداوي جروحها، وتحتوي هذه الأزمة وتذوّت عواقبها. ليس لها فقط، بل لشعبٍ آخر يطمح للاستقلال جانبها.