10
مارس
تخبّط القيادات السياسية لعرب الداخل- جريس جريس فسوطة
بعيدا عن تأييد او معارضة هذا الطرف او ذاك من مكونات القائمة المشتركة لا شك ان تفكك القائمة المشتركة والاعتداء على النائب منصور عباس يشكلان تعبيراً مشيناً لثقافة التسلط والهيمنة والراي الواحد المتمثلة بالعنف والنبذ والعزل والاقصاء والادانة للراي الاخر. ولا حاجة لدليل ان هذه الثقافة والعقلية شكلت وما تزال تشكل السبب الاول في تفتيت وتدمير كل الكيانات التي تبنتها، ادياناً كانت، ام انظمة سياسية، كالشيوعية والنازية والفاشية، ام دولا واحزابا.
ولا شك ان هذه الثقافة وهذه العقلية هي السبب الاول في تمزيق العالم العربي الى اكثر من عشرين دولة تتناحر في ما بينها على الاوهام والخرافات، وداخل كل منها عشرات الاحزاب والمنظمات والميليشيات ناهيك عن العشائر والقبائل والاقطاعيات، والتي تعيش كلها بما يشبه حروب الجميع ضد الجميع.
ومن المذهل حقا مدى شراسة ووحشية هذه الحروب والصراعات والخلافات في الوطن العربي حتى داخل البلد الواحد، بل وحتى الحزب الواحد والتي ادت الى تدمير كياناته السياسية والاقتصادية وتحويله الى مناطق نفوذ للقوى الخارجية فيما تتسابق القوى المغتصبة للسلطة على استجداء التدخلات الخارجية للاستقواء على بعضها البعض.
ولا حاجة لتقديم الامثلة على ذلك فهي اكثر من ان تُحصى.
ومن ابرزها الصراع بين البعثين السوري والعراقي وبين اطراف دول مجلس التعاون الخليجي وبين اجنحة منظمة التحرير الفلسطينية ناهيك عن بقية الاقطار العربية.
ولا تختلف مكوّنات القائمة المشتركة في ايديولوجياتها وثقافتها وعقلياتها عن الاخوة الفلسطينيين والاشقاء العرب إن لم تكن كل منها اكثر شمولية وديكتاتورية وتعصبا للرأي الواحد، خاصة قطبيها الماركسي والاسلامي بما في ذلك الوسط القومجي، مما يجعل التحالف في ما بينها من اكثر الامور غرابة في التاريخ السياسي. وقد ساهم عاملان رئيسيان في تشكيل المشتركة يستحيل عليها الصمود بدونهما ولو ليوم واحد: الاول هو الايديولوجية والسياسة الصهيونية القائمة على سياسة العزل والنبذ والتمييز والاقصاء العنصري على اساس قومي وعرقي، والثاني هو النظام الانتخابي الاسرائيلي الذي يحتم اجتياز نسبة الحسم على القوائم والاحزاب المشاركة بالانتخابات. وعلى الرغم من هذا فقد خاضت مكونات القائمة المشتركة الانتخابات السابقة بقائمتين مستقلتين، ثم اضطرت الى خوض الانتخابات الاخيرة بقائمة واحدة، شكلاً وليس مضموناً، حيث بدأت بالانشقاق والتفكك فور الاعلان عن النتيجة، وبمجرد بدء المشاورات لتسمية المرشح لتشكيل الحكومة.
ومن المؤسف حقا هذا الانقسام والتشرذم والاختلاف حول امور مصيرية ُتمس الجميع بالمقدار نفسه ذلك ان الصهيونية لا تميز بين يمين او يسار من غير اليهود فجميعهم في نظرها خطر على "النقاء" العنصري للدولة، ومن المؤسف ايضا هذا الاختلاف حول مساحة ضيقة من النشاط لا تتعدى كيفية السبيل الى "اقتناص" ما امكن من الحقوق المسلوبة، ذلك ان هذه القوائم او الاحزاب لا تسعى الى الانشقاق عن الدولة ولا الى دولة داخل الدولة ولا الى حكم ذاتي ، مثلاً، علما ان النضال البرلماني وحده، كما اثبتت التجارب، لن يحقق انجازا يُذكر حيث الاكثرية دائما بأيدي السلطة ناهيك ان النواب العرب سيبقوا دائما على الرف خارج دائرة الاجماع الصهيوني، حتى لو وصل ما يسمى مجازا باليسار الى الحكم، ذلك ان اعطاء العرب الحقوق الكاملة سيجعل من اسرائيل دولة لمواطنيها ولن تبقى هناك دولة يهودية.
وعليه فإن اقصى طموحات الاقلية العربية في اسرائيل لا تتجاوز تقليص الفجوة الاقتصادية بين الشعبين وخلخلة الايديولوجية والنظام العنصري بتشريعاته وسياساته بقدر الامكان. ومن هنا فان "النضال" البرلماني وحده ليس كافيا لتحقيق ولو قدر محدود من هذا الهدف بدليل قدرة احزاب اليمين على تعميق سياسة التفرقة والاضطهاد بل ونجاحها في سن قوانين بهذا الاتجاه كقانون القومية وقانون كامينتس.
هذا الواقع يطرح تحديات جديدة امام العرب في اسرائيل على رأسها البحث واللجوء الى وسائل نضالية اخرى الى جانب النضال البرلماني بحيث ينطلق على مستوى الشوارع والساحات والمؤسسات لأفهام العنصريين ان للعنصرية ثمن لا يستطيعون تحمله.
من هنا نرى ان هناك حاجة ماسة لفكر جديد وادوات جديدة والى ثقافة بديلة وقيادات بديلة

