29
نوفمبر
نظرية فوكوياما عن نهاية التاريخ تسقط في غزة
يمكن القول إن ثيمة الشتات تعد أبرز ملامح حياة الكاتبة الفلسطينية بيسان عدوان، فقد ولدت داخل مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان لأب فلسطيني وأم مصرية، ثم نشأت وتلقت تعليمها في مصر إلى أن انتهى بها الأمر للاستقرار في تركيا، ومن هناك أصدرت كتابها "مرويات الحرب – فوكوياما يسقط في غزة" (دار صفصافة).
يلقي الشتات بظلاله القاسية على كتاب "مرويات الحرب - فوكاياما يسقط في غزة" وهي ظاهرة لا تخص بيسان عدوان وحدها، حتى إننا من الممكن أن ندرس ظاهرة الشتات والمنفى داخل قوالب الأدب الفلسطيني بصورة عامة. وإذا كان الشتات هو الملمح الأبرز في حياة الشخصية الفلسطينية فإن المقاومة هي الوجه المقابل له. وتختار بيسان عدوان المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما بوصفه ممثلاً للاستعمار الجديد الذي يسعى إلى هيمنة القطب الليبرالي الرأسمالي ممثلاً في الولايات المتحدة الأميركية، بعد صراع طويل وحرب باردة مع القطب الاشتراكي الذي كان يمثله الاتحاد السوفياتي السابق. فبمجرد انهيار القطب الثاني انبرى فوكوياما إلى التبشير بـ"نهاية التاريخ" بانتصار نهائي للرأسمالية. ولأن هذا القطب لا يعيش إلا على حساب عدو حتى لو كان متوهماً فحل صمويل هنتنغتون هذه الإشكالية بحديثه عن "صراع الحضارات". وتتوقف عدوان عند فوكوياما تحديداً وترى أن التاريخ لم يكتب كلمته النهائية، من خلال نضال غزة ومقاومتها لمشروع إسرائيل الكبرى.
لا تقع الكاتبة في الفخ الأيديولوجي بل تقدم رؤيتها بحس إنساني وأسلوب شاعري يتجلى في المجازات المتتابعة "لا هدنة مع الوقت/ لا هدنة مع الموت/ ولا سكون يرفل فوق المكان/ وسط ضجيج المنافي أخبرك كل نهار/ صباح الورد، فتستيقظ الحواس كرفيف يتدفق في القلب فيمنح الأمل". واللافت أن الكاتبة تكتب مروياتها عن الحرب في صورة سطور شعرية، مما سيختلف في بعض المواضع ليأخذ صورة السرد. وتقوم السطور السابقة على حس مرير بالمفارقة البادية بين الموت الدائر بلا توقف ولا هدنة موقتة والاعتصام بالأمل على رغم كل هذا الدمار، إضافة إلى الصور الاستعارية والتشبيهات الدالة. ولا تؤرخ عدوان للحرب في غزة فقط على مدار ما يزيد على عام بل ترى الصراع في شموله الذي بدأ منذ عام 1948، وربما قبله. ومن هنا جاءت عناوين المرويات معبرة عن ذلك (السنة الأولى للحرب – السنة العاشرة للحرب – السنة العشرون للحرب – السنة الثالثة والثلاثون للحرب...) وهكذا في انتقالات زمنية واسعة من خلال ما يعرف، سردياً، بالثغرات الزمنية.
ومن الواضح أن هذا الصراع الوجودي يستحضر ما يسمى البنية الزمكانية، فحضور الزمان واضح في العناوين السابقة وكذلك في قولها "مئة يوم مرت على الحرب هناك، لا انتصار ولا هزيمة/ كل شيء معد مسبقاً". على أن هيمنة البنية الزمكانية تؤكد حضور الرؤية البصرية، ويتضح هذا في قولها "حين تنتهي الحرب/ في البيت البعيد حين تأتي/ ستجد كثيراً من صور البلاد معلقة على حائط غرفتي البيضاء/ وتحت كل صورة يومياتها في منشية يافا/ وعلى الشاطئ هناك صبية أفلتت جناحيها للريح فسميناها يافا".
ثم تستحضر صور أمها وأبيها في طبرية وصورة جدتها "وهي تخبز المنامات كل صباح". إننا هنا أمام توظيف لتقنية الاسترجاع وتفعيل الذاكرة لرسم تلك المشهدية الحميمية التي كانت تجمع تلك الأسرة وغيرها من الأسر الفلسطينية. هذه المشهدية تُستدعى في أعوام الحرب بوصفها ضرباً من المقاومة، ففي "الحرب نرى ونسمع ونشم ونتذوق بسرعة فائقة/ كأننا نهرول خارج الزمن"، وذلك بصورة أكثر جلاء من خلال استنفار كل هذه الحواس التي تقاوم الموت المحيط. بل تصبح هذه الحرب التي لا تنتهي دافعاً لعودة، أو استعادة، كل الأمنيات. وهذه إحدى ثنائيات الكتاب البارزة، فالخطاب موجه لذلك العاشق الحاضر دائماً، العاشق الذي يتكامل مع الذات الأنثوية الساردة والذي يمكن وصفه بأنه خارج بنية الخطاب لكنه دائم التأثير والحضور فيه. وتقول بيسان عدوان مخاطبة عاشقها البعيد "حين تنسج من الأشجار أريكتي وخريطة البلاد/ لا تنس – هناك أيضاً- في الغرفة سرديات الحرب والحب".

