التخطيط والبناء - من مشروع للتقدم إلى مشروع انتقام-بقلم يوسف غانم


“التخطيط والبناء - من مشروع للتقدم إلى مشروع انتقام”
في هذا المقال نغوص في أكثر من 100 عام من سياسات التخطيط والبناء في قرى الجليل الأعلى، من القانون العثماني إلى الإدارة الإسرائيلية. نكشف كيف تم تهميش القرى العربية، وكيف تحوّلت أدوات التنمية إلى وسائل للسيطرة على الأرض والهوية.
هل تعلم أن قرى الجليل الأعلى لا تزال حتى اليوم تعاني من غياب التخطيط الهيكلي، رغم مرور أكثر من 100 عام على بدء قوانين التنظيم؟!
من عهد العثمانيين، مرورًا بالانتداب البريطاني، ووصولًا لدولة إسرائيل، بقي التخطيط والبناء في القرى العربية مشروعًا مهمّشًا، محرومًا من الخدمات، ومن الاعتراف الرسمي
نموذج قرية حرفيش يقدم لنا قصةً مختصرة لكنها كاشفة لنهج عمراني مليء بالتمييز
التخطيط والبناء: من مشروع للتقدم إلى أداة للهيمنة
يوسف غانم آيار 2025 
على امتداد التاريخ، كان التخطيط العمراني وتطوير الأراضي جزءًا لا يتجزأ من نظم الحكم المختلفة، حيث شكّل البنية التحتية والأنظمة العقارية ركيزة لأي سلطة قائمة. وفي منطقتنا، بدأ التخطيط المنظم يأخذ شكلاً قانونيًا مع القانون العثماني للأراضي الصادر عام 1858، الذي قسّم الأراضي إلى ثلاث فئات: أراضٍ سكنية، زراعية، ومشاع للرعي. واعتمد هذا القانون على تسجيل الأراضي عبر نظام الطابو (الكوشان العثماني)، الذي شكل مرجعية قانونية وتقليدية في آنٍ معًا
ومع دخول الانتداب البريطاني إلى البلاد، سُنّ قانون تنظيم المدن والقرى والمباني عام 1936، والذي تضمّن إنشاء لجان تخطيط محلية ولوائية، واشترط الحصول على رخص للبناء، وأتاح للمؤسسات فرض قيود على التوسّع العمراني مثل الارتفاع، المساحات، والمسافات بين المباني. غير أن هذا القانون، رغم أهميته، لم يُطبق في القرى والأرياف، خاصة في مناطق الجليل الأعلى، ما حرم هذه المناطق من أي تخطيط هيكلي فعلي. وحتى بعد سنّ قوانين إضافية عام 1945، مثل مرسوم الطوارئ وقانون تقسيم الأراضي، لم تتغير سياسة التهميش العمراني للقرى العربية.
وبالتالي، بقيت المجتمعات القروية تعتمد في البناء والتوسع على العرف المحلي وسجلات الطابو العثمانية، دون أي دعم مؤسسي أو تخطيطي من السلطات.
مع إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، واجه سكان القرى في الجليل الأعلى عقبات جمّة في إثبات ملكيتهم للأراضي أو شرعية أبنيتهم، ناهيك عن غياب البنى التحتية الأساسية، كالكهرباء والمياه والصرف الصحي. في المقابل، حظيت المستوطنات اليهودية بهذه الخدمات منذ عهد الانتداب، في إطار سياسة تفضيلية ممنهجة.
ابتداءً من عام 1952، شرعت دولة إسرائيل عبر “دائرة أراضي إسرائيل” بمشاريع تسجيل الأراضي، بالاستناد إلى سجلات الطابو، بهدف السيطرة على “أملاك الغائبين” وأراضي المشاع، حيث نُقلت هذه الأراضي لاحقًا إلى ملكية الدولة، ما شكّل تحوّلًا جذريًا في المشهد العقاري بالمنطقة.
لكن رغم عقود من السيطرة والتسجيل والمسح، لم تنجح الدولة حتى اليوم في توفير حلول عادلة وشاملة لمشاكل التخطيط والبناء في القرى، خصوصًا في الجليل الأعلى. لا تزال العديد من القرى تعاني من غياب مخططات هيكلية، وتعتمد في تخطيطها على أنماط تقليدية، غير معترف بها رسميًا، تعود بجذورها إلى ما قبل الدولة.
قرية حرفيش نموذجًا:
•    1920–1948 (الانتداب البريطاني): غياب تام لأي تخطيط رسمي.
•    1948–1958 (الإدارة العسكرية): استمرار الإقصاء وغياب التخطيط.
•    1958–1965: بداية التخطيط الرسمي وتحديد المناطق السكنية والزراعية ومواقع المؤسسات.
•    1970–1990: مخططات محلية جزئية بناءً على مطالب السكان.
•    2000–2020: بدء خطة شاملة عبر اللجان اللوائية لإعداد خارطة هيكلية عامة.
هذا المثال لا يعكس فقط تأخر التخطيط، بل يكشف عن عقلية مؤسسية تعاملت مع التخطيط كأداة للسيطرة، وليس كوسيلة للتنمية.
لقد استمر الإهمال والتهميش لأكثر من قرن، ولم تبدأ السلطات فعليًا بطرح خارطة هيكلية شاملة إلا مع بداية القرن الحادي والعشرين، والتي لا تزال قيد الإعداد حتى اليوم. وفي ظل هذا الواقع، يعيش مجتمع بأكمله في فراغ تخطيطي قائم على أعراف الماضي.
أسئلة مشروعة تُطرح:
•    هل ستُنهي إسرائيل ما بدأه الانتداب عام 1936 من تشكيل لجان تخطيط دون إنصاف حقيقي؟
•    وهل ستكتفي الدولة بما استحوذت عليه من أملاك الغائبين وأراضي المشاع؟ أم أن شهية السيطرة ما زالت مفتوحة؟
إن العدالة في التخطيط العمراني تبدأ من الفصل التام بين الأيديولوجيا العنصرية ومؤسسات الدولة. التخطيط والبناء يجب أن يُعاد توجيهه ليكون مشروعًا للتنمية والعدالة، لا أداة للتمييز والتهميش