30
يوليو
من التألّم للتأمّل – عفيفة مخول خميسة
خبر نفّاث يخترق الأخبار الساخنة، ويستقرّ على مقعد في شرفة بيتي، وكأنّه يخصّني وحدي! وفاة زياد الرحباني نجل ذراعين من أذرع هواي الشماليّ/ عاصي والرفيف فيروز… وقضى زياد بعد أن قطع مسافة تسعة وستين عامًا قضى أربعة عقود منها متوثّبًا متسلّقًا جبال النور، عازفًا على أوتار بلده لبنان درّة الشرق المنذورة للفكر الأنيق والإبداع الرقيق… ويعيدني الخبر لجبران لبنان مالئ الآفاق رشاقة فكريّة وأناقة عاطفيّة. وهذا كلام ليس له في مصارف العزاء رصيد!
هذا الطفل الناشئ في واحة تعجّ بالقيَم الراقية والعواطف النبيلة تتّقد فيه جمرة الوعي الإنسانيّ باكرًا، فيشتعل… وإذ يصطدم بالواقع ينجرف مع دوّامة فكره، ويغيّر وجهة إبداعه مستلًّا آلاته الحسيّة ليخوض حربًا طويلة نصرة لمبادئه الموروثة والمكتسبة. ويمضي مدجّجًا بالثقة والإرادة، فلا تقعِده هوّة، ولا يوقفه حاجز صخريّ! ويقطع سلسلة من الجبال الوعِرة دون أن يلتفت لعدّاد الساعة، الأيام والسنين…ويهبط حاملًا لاهوتًا رحبانيًّا مطعّمًا بعقيدة من ابتكاره الخاصّ.
ويترجّل فارس آخر من فرسان شرقنا الحبيب في غفلة عنّا، ونحن محاطون بآلة الموت حاصلين على آلة الدفاع مجّانًا، فنتألّم نتألّم ونتألّم إلى ما لا نهاية… والحساب مفتوح!!
خسارتنا هذا الساخر الظريف تختلف عن خسائرنا فيمن سبقه من المبحرين في يمّ أوجاعنا الاجتماعيّة المتنامية؛ فهو الصريح المباشر الشتّام المبتكِر المؤدّب الذي راعى دماثة لسان الرحابنة وعفّة روح الوالدة بالقدر المطلوب، ليس إلّا. فشتم بلساننا، دغدغ بأوتارنا وبقر بأقلامنا فأوجع ولم يجرح، حرّر الفكر من سجونه ولم يطلق النار على السجّانين. بل أطلقها رشقات معزوفة، وممسرحة محكيّة من النقد الفكاهيّ المبطّن النافذ. وهذا من دلالات فرادته. “كلّ عمرنا نسمعن بقولوا: العرب إخوات، بسّ ولا مرة قالولنا إخواتشو”! وخذ عليه… أمّا بوصلته فلبنان، وأما وُجهته فمحيط من الأقرباء والأنسباء العرب الخالصين والمستعربين. ويخلّف إرثًا متناغمًا مع الواقع، ولم يخلّف لوحة باسمة تبقى لذاكرة البيت ذخيرة!
ومن باب العزاء أُعرّج بالذكر على رموز وضعوا للتاريخ قواعد من النقلات الفكريّة النوعيّة، فقامت فوقها حضارات، ولم تنظر في أحوالهم الشخصيّة كالزواج، الأبناء والوزن الاقتصاديّ…فسقراط، أفلاطون وأرسطو و… هم الباقون. وعظماء مصر من مطربين، أُدباء وشعراء هم الباقون كالأهرام في الصحراء راسخون. وعسّالو لبنان من مفكرين وشعراء ومرنّمين هم الباقون كالأرز في الجبال منغرسون. وغيرهم من مبدعي هذا الشرق الذين رحلوا ولم يموتوا. فعاصي، منصور والياس باقون، سواء خلّفوا للعصر زياد، أُسامة، غسان و… أو لم يتركوا! هذا من منظور المنطق المحايد الذي تتبنّاه العامّة، ويتوافق مع سُنن الحياة. لكنّه بحسابات الوالدين لا يتعدّى كونه مسكّنًا موضعيًّا مؤقّت المفعول.
بعد ساعة من التأمّل في المديات العامّة المشرّفة هذه أنحرف عائدة للمشاركة بالألم الخاصّ، ولؤلؤة الشرق التي ملأت الدنيا حبًّا ونقاء ونكّهتها بالفرح المرخّم، لم توفّر لنفسها سوى حلم وديع يدندن في حِجرها على إيقاع ترنيمة المساء، فتكبو… وتستيقظ، وإذا الحلم وهم! وتعود بالذاكرة إلى حيث انتظرت حالمة بعودة ابنها من الصيد وفي شبكته سمكة ذهبيّة. فتحزن وتبكي لسوء طالعه، وقد علمت أنّ شيطان البحار لا يطلق نحو هذه الشطآن غير الأسماك المزيّفة! لكنّه محترف حادّ البصيرة، فلا يلدغ من الجحر مرتين! “أنا وإمي متّفقين؛ اثنناتنا بدنا ولد! قلتلّها: بسّ شو بعمُل يا إمي إذا بنات اليوم مش حابّين موديلي؟”!!
(هذه هي حال حمَلة الوزنات العقليّة الذهبيّة، وهذه ضريبة إضافيّة يترتّب عليهم دفعها في أوانها!)
ويركب الصيّاد الموج ويغادر وتبقى الأُمّ الحزينة عصفورة السلام مرفرفة فوق البحار… تبقى لبنان المنذور لحلم يدفّعه المستحقّات بالعملة الصعبة؛ التألّم المنقوع بالإيمان، على أمل أن يُبعث جبلًا مكحّلًا بالقصائد، مزنّرًا بالمواويل… فلا تحزني لبنان الحبيبة، بل افرحي بقيامة ولدك مكلّلًا بالغار، وقد ارتفع فوق جبال الصوّان علَمًا من أعلام حضارة مقاومة الزيف والنفاق والمجد الاصطناعيّ.
غادرتُ اللحظة مستبشرة، على أمل أن تُعزّى الأُمّ الحزينة بتهليلة “بنت الحارس” “لريما الحندأّة” محفظة كنوز ذاكرة البيت المسموعة والمرئيّة، والمكتوبة والمرويّة.

