18
أغسطس
تحت العريشة سوا... عفيفة مخول خميسة_معليا
بيتنا عشّ لاصق بالتراب. منسوج من ذرّات التراب، مظلّل بالتين والليمون والعنّاب... بستانه ولاية جبليّة يسكنها الخوخ والقراصية والمشمش والرمان متعانقين إخوان... متناغمي الخفقان... بيتنا قرية جليليّة العروق، مشرّع بابها لضيوف الوعر على مدار الفصول والأعوام... فضاؤها بحر تمخره أجنحة السماء أمواجًا تلتقي الرياح ترسم الأصيل مهرجان ألوان.
بيتنا المكسوّ بالندى عاشق عتيق، مجبول من ألوان الطيف وأطيافها... مضيف طيّب الخامة، قلبه جبل ثائر، وعينه ينبوع كوثر... لا يقرأ جوازات سفر الوافدين إليه للإقامة، أو النازحين لاجئين إلى حين. لا يطيل التمعّن في وجوههم، ولا يحقّق في دواعي مغادرتهم ديارهم؛ فهم أخوة أحراشه، روابيه وواديه الطروب... بيتنا قلعة يسجد فيها هوى جيران الدار من جولان الأشمّ ولبنان الجنوب!
كلّهم لبيتنا نعمة مبارَكة. فإذا ما الزيزفون طاف الحيّ أريجه، وفاح طيب الياسمين الشاميّ، أو غار اليرنحين من دلع الليلك، تنادت وُرق الحمام رفرفات سلامٍ يوحّدن الحدود بين الزمان والمكان! وتلغي الفوارق بين الحساسين والغربان... ويُفرش السطح مائدة مبسوطة مسطبة لمناقير السماء! على هذا السطح تتربّع الحياة مبصرة نور التقاء النعيمين على مودّة مستدامة!
بيتنا ضيعة جليليّة يُستدَلّ عليها بذراع من النور تساجل العاصفة، وأُخرى تلوّح بالترحيب للريح الطريّة... وتندسّ أُنوف قاطنيه بين عروسين بريّتين تتناوبان على رسم حدود الظلّ فوق مسارات الساعات...؛ غارة وسنديانة تتولّيان رفع علم البيت فوق متنزّة الخمسين وريح الصَّبا! وإذا البيت محجّة نحل وفراش... وأغصانه مناشر طلع حلو المذاق!! بين جنباتها يلكعون رضّعًا فاض من سقّايات مناقيرهم لبن عصافير النعيم... فيستوطنوا البستان أهلًا مكرّمين!
على عتبة البيت نقش من حرفين مجلّلين بأدعية ترسمها مهامسات جدّين يقتعدان شمس عصريّة ربيعيّة، منها ينسجان شبكة لصيد الغيوم الشاردة، يتراشقان النظراتِ قرّاءً عالمين أهواء المناخ بالفطرة؛ بالأمس القريب كانا يسمعان ما يدور بين الغيم والشمس والريح، فلا يتأخّران حتى يدخلا عتبة البيت، ولا يدخلان إلّا حاملين وعدًا من السماء بسقاية بوار الحياة!
ليّل النهار ولمّا يتمكّنا من ربط خيوط الوصل بين الشمس الكاوية والريح المسائيّة! دنا منها وهمس في أُذنها: يبدو أنّ نظرنا قد بدأ يخون! فهمست بالردّ: يبدو أنّ سمعنا قد بدأ يتلاعب بنا! يُسمعنا قصف القذائف قصف رعد، ويُرينا لهيب نارها شهبًا تدلّك أكتاف الليل، بينما الغيم يجوب أصقاع السماء هاربًا من نفّاثات هذه الحرب اللعينة، فما رأيكَ بأن نتوارى ونرصد الغيمة من خيمة لا تدركها قواطع جرذان الحروب؟_ نعم الرأي هذا! فهيّا قبل انعطاف العصر عنّا! فأنا أُبصر الغروب يحملق بالمسا منذرًا بعتم سيدكّ البستان قبل الأوان!
دلفا إلى البيت صاغرين! واستلقيا يستظهران مطوّلة غزليّة نظمتها الريح ببيت نهاره ترنيمة طويلة، وليله عشّ يجاور الغيم المطرّز بالتهاليل... وتضوع نسمة قرنفليّة فيحاء نشّالة تسرق صدر بيت القصيد، تطوف به الدنيا راقصة مع الحياة على إيقاع تغريدة شحرورة تأوي للمبيت! للنعوسة سوا يستسلمان، سوا يغفوان... وسوا سينهضان ويصعدان سطحًا بعض سمائه عريشة تصلّي!

