02
سبتمبر
هربتْ؟! عفيفة مخول خميسة_ معليا
الحاجة تدعوني لاستراحة عاجلة في ظلّ نهار كان لي سباق مع ساعاته القصيرة. لكنّني مبلبلة! في صدري قرقعة تطيّر النوم من عيني... وهمهمة تواري رغبتي بالنوم خلف سياج الليل، فأستدرجه؛ أصطنع السَّكينة، أفتعل الهدوء وأستعرض نغمات التثاؤب... دون جدوى! ربطتُ روحي على باب قلبي تستطلع مصدر هذه الجلبة المباغِتة، ولبدتُ أرصد إشارة!
وأستدرك "عليّ أن أبدأ بفرط قُطَب جبيني"! لعلّي أتمكّن من لملمة كلّ وسائل القبض على سرّ اهتزاز قفص صدري المفاجئ؛ فقد تكون ثورة! دعابة من العيار الثقيل! انقلابًا! منقلَبًا! مقلَبًا! لستُ أدري! بات صدري ملعبًا لا يتّسع للتخمينات! بصفقة الإبهام بالوسطى كانت شرارة نطّقت الصمت بكلمة سرّ انتشرت في هشيم الليل شائعات وقلاقل!
وتسرّب لي غمّزة كانون الخبر وشوشة بالغة الأدب، تفيد بأنّ الطفل المقيم في بيت الضلوع قد تسلّل، لمّ أغراضه وهرب! يا للكارثة! كيف استغابني هذا "العفريت"؟ ومتى؟ قبل شهر؟ عام؟ أكثر؟ لستُ أدري، وأعجز عن التقدير! اعتصرني كسل غرّقني بخمول لم أختبره... فبتُّ نفسًا منقبضة تسكن جسدًا منكمشًا مستسلمًا! ترى، ما وراء اختيار صغيري هذه الهدية في عيد ميلادي؟ أفلا يعلم أنّ صبح العيد في غيابه غروب، وبهجته فتور كهل ضيّع نكهة الشراب؟!
سألحقه إلى أقصى الأصقاع، أقصّ أثر أنفاسه، وأتتبّع مسار قدميه، وأعود به قبل أن يقبض عليه حرّاس الخفافيش ويقتادوه إلى مرافق الظلام المحرّمة على هديل الحياة! حالما ألمحه، سأنقضّ عليه وأحتجزه بين ذراعيّ... أُقبّله وأسترضيه بما حفظتُ من حكايات... وأرصد له كلّ ما ادّخرتُه للحياة من أشعار وأعواد ونايات ... سأربض قربه، أُغريه بالعودة إلى بيته الأوّل، بيت أحلامه المكيّف المشيَّد له وطنًا لا تقوى عليه حرائق الزمن. قمتُ، نجّدتُ له وسائد أنفاسي، ومضيت! أنا أُمّ الصبي كاملًا؛ ولن أعود منه بقطعة!
تثاءبت الشمس التالي، وانعكست تذبّلات أصيلها في عيون المساء غرغرة تلاطف أجفاني، وتنحدر إلى عيون القلب تيقّظًا! الصحوة تستجوبني! وبينما كنتُ أُقلّب ملفّ مبرّراتي، وأُفنّد أسباب قصوري تجاه وديعتي الهاربة، تلفلف المساء بعباءة كانون النعسان! والليل طويل! "لاحقه عالنوم"! انتصبتُ واقفة، وما هي إلّا إطباقة عين مُرهَقة، حتى سقطتُ أرضًا!
بتُّ الليلة عاشقًا ضريرًا يتلّمس الظلمة بحثًا عن شعاع قد يضيء أنفاق أوردته... فسلّمت للنور الوهميّ أمري، لعلّ الصباح يكون رباحا! وأُفاجأ بطيف طفلة تتخبّط بين الغرق والنجاة في غدير عميق، فأُصعَق؛ مَن ينقذها، وأنا الغطّاس الذي يغرق في شبر ميّ؟! ليس أمامي من حيلة سوى الاقتداء بالغراب!؛ سأُلقي الحجارة في جرّتي حتى أسمع كركرات ضحكتها... وأتتبّع حركات أناملها أمواجًا دائريّة تقذفها إلى السطح، ومنه ستقفز، حتمًا، إلى قفص صدري/ عشّها المنعوف هذا... فأعدها وأحلف لها أنّني سأُرمّمه قبل طلوع الضوّ!
أنامل الشمس تزيح خُصَل الفجر عن وجه طفلة تحكحك أُذني لكناتُ لسانها الأولى طنطنة تداعب خاطري... ونحلة تركب نسمة الصبح تجوبني وتستطلع أرجائي طروبًا، فأصحو!
تعرّمتُ من نشوة، ثمّ انتصبتُ كعسكريّ يتأهّب... ذهبتُ لإصلاح هندام مزاجي، وذهني. ارتديتُ زيّ بساطتي، وأناقتي... تحلّيتُ بأبهج أقراطي... نشرتُ عطري المفضّل حولي، على أمل أن يعرّفها عليّ وتلاقيني... فأضمّها وتضمّني...أنتشلها وتنتشلني... ثمّ أحملها وأمضي بها إلى مسقط عينها الأول، حيث موطيء أقلامها، ومشتل أولى حروفها... لكنّها ذكيّة، ومن المرجّح أن تتجاهلني وأنا مطليّة بهذه الطبقة من التمويهات، مقنّعة بهذا النوع من الورق! على أمل أن يشفع بي بريق حدقتيّ وارتعاشة جلدي أنتظر! في كلّ الأحوال، أنا مستعدّة للدفاع عنّي وتبرير أسبابي؛ فما تراخيتُ عن واجب رعايتها إلّا مقهرة! فهل، إذا تنكّرتْ، أرفع عنها حصانتي، وأتخلّى عن أمانتي؟ لستُ أدري! بل أدري أنّني لن أُصلح الخطأ بخطأ!
صفّر كانون صفرة طويلة نبّهت النائم في حجُرات كياني، فنهضتُ بكلّيّتي! وشرعتُ أُمرّج فروة رأسي وجبيني، كتفيّ ورُكبتيّ... صبغتُ شعر ذاكرتي، وقد دبّ الشيب فيها أثناء انشغالي بهموم الحيّ وجار الحيّ القريب والبعيد... فقد اكتشفتُ أنّني، بإهمال ذاتي، قد تسبّبت بهروب طفولتها بعيدًا عن هموم القُطر وجار القُطر... حتى تقزّزت عيناها وهي مربوطة تراقب مذابح بيئة السلام حولها! وكم حاولت تجاهل أمري، أو تحييد هذه الصغيرة عن المشهد، ولم أفلح!
اليوم أستدرك؛ أتوقّف، أُنزّل السلّم عن كتفي وأُحطّمه... أنزع النظّارة السوداء، فأُبصر طفلتي تلعب بالتراب، ترسم بالحصى عصافير وعناقيد... تجمع العيدان وتعمّر بيتًا لطفل المغارة، ثمّ تفرشه بالقشّ قبل زمن من ولادته! فأقرأ المقال في سلوكها واهتمامها تكذيبًا لتقلّبات هوى العقود. وأفهم أنّني مجرّد قلم يتيم يحاول تلوين دفاتر العصر بالضرب على وتر أصمّ أخرس، لا دويّ له يُسمع، ولا صدًى!
تزنّرتُ بحزام الرجاء، شددتُه إلى خصري، وسعيتُ لإصلاح ما أفسده سوء الحساب. عملي هذا لا يقوم إلّا على الإرادة، والإرادة تبدأ بالإرادة، فالنهوض. فنهضت. صلّبتُ بيمناي على وجهي، حملتُ صليب زماني ومصباح عقلي... طرقتُ الباب خلفي فأحدث دويًّا هزّني، فاستيقظتُ! صحوت: ما هذا يا ربّي! أهو تحذير؟ إنذار؟ أم تهديد؟ هل هو أمر صارم ينطوي على دعوة عاجلة لإنعاش طفولة الحياة؟! بالإيماء فهمتُ أنّ هذا هو المطلوب!

