وغَفَتْ هديل ... قصّة للكبار والصغار : زهير دعيم

في بيت صغير ٍيقع عند أطراف قرية بعيدة ونائية ، كانت تعيش هديل اليتيمة ، طفلة في التاسعة من عمرها ، بوجهٍ كالقمر،  وعينين يلمع فيهما الأملُ رغم الفقر الشّديد . 
كان بيتُها الصغير مُشقّقًا ، مُهدَّمًا ،  يفتقدُ الى مدفأةٍ  تدفئ يديها الصّغيرتين ، والى بطانية سميكة تلفُّ جسمها النحيف .
     كانت أمّها تعمل طوال النهار،  تخدم في بيوت البلدة ، وتعود مساءً تحمل معها القليل من الخبز والخضار ، وبعض الحكايات  تقصّها بدفء عليها ،  لعلّها تُخفّف من وطأة كانون الثاني وبرده القاسي  .
      وكانت هديل في كلّ ليلة تعانق امّها ،  وهي تغفو في حضنها وتقول : أُحبّك يا أُمّي...  أُحبُّكِ وأكثر . فأنت الدفءُ والحنان . وأنت الخبزُ والأمان ، ونغم الحُبّ والكَمان . 

في إحدى الليالي الباردة  جدًّا ، سقط المطر بقوة ،  وسرى البَّرْدُ  في  والدّروب والازقة ، وبدأَ يتسلّل عبْرَ أبواب الخشب العتيقة ،  في حين راحتِ  الرّيحُ تعوي كذئبٍ جائع .          
قبّلَتْ هديل المريضة بالإنفلونزا  اُمّها بحرارة  ، ثمَّ احتضنت نفسها  ، ولفّت ذراعيْها حولَ جسدِها الضّعيفِ  ، ودخلت تحتَ الغطاء الرّقيق  ، وابتسمتْ رغم القشعريرة ... ابتسمتْ وهي تقولُ لأمّها :  
لا تقلقي يا أمّي ، فالمطر يغنّي لي ، وأنا أحبُّ صوته ، اطمئني... فنفسي دافئة  تُحبُّكِ وتحبُّ الله . 

أجابت الأم والدّمعة في عينيها :  كيف لا اقلق يا صغيرتي وأنت مريضة وبردانة ؟   صدّقيني إنّي   - والربّ يعلمُ  - أحبُّكِ بل أحبّك جدًّا ، ولكن سامحيني لأنّني لا أملكُ غيرَ حِضني .
في تلك الليلة ، نامت هديل ...  
نامت وهي تحتضنُ البرْدَ ، وتحلمُ ببيت دافئ ، ومدفأةٍ وأحذيةٍ لا تُبلَّلُ بالماء .  
نامت كطفلةٍ بريئة ...  لكنَّ الحزنَ لفَّ قلبَها الصغيرَ بغطاءٍ من صمتٍ وأمل .
وفي الصباح ، لم تستيقظْ هديل.  
كانتْ تبتسمُ وهي نائمة ...  
كأنّها رأت في حلمِها شمسًا تُشرق ، وأجنحة من دفءٍ تحيطها .  
غفتْ هديلُ إلى الأبد ،  غفت لتبقى قصتُّها همسةً في أذُنِ المطر، وصرخةً في وجهِ الفقر والظُّلم .
      غَفَت ولم يَغْفُ صوْتُ أُمّها .... !ّ!!