لحظة تفكير قبل انطلاق قطار الصيام- بقلم المربي مازن نحاس-ترشيحا

قبل الدخول بأجواء الصيام والدخول في أجواء الفصح والقيامة، والحديث عن فصح أول وقيامة أولى وفصح ثان وقيامة ثانية، وبأجواء مهزلة موعد العيد، الذي سيكون السنة بفارق أسبوع واحد فقط بين الفصح الغربي والفصح الشرقي، أي أن أحد الشعانين لدى الشرقيين سيكون يوم أحد الفصح لدي الغربيين.

وكما هو معلوم أصدر راعي الأبرشية يوسف متى الموقر اثناء فصح السنة الماضية مرسوما للكهنة بإلغاء التوحيد في جميع الرعايا حتى في الرعايا التي تعيّد موحدةً منذ سنوات عديدة باتفاق رعوي أهلي كهنوتي. مرسوم يعيد ويعمق التشتت وعدم الوفاق المسيحي ويثير كثير من التساؤلات في الرعايا وخارجها عن سبب إصداره وتعميمه بعد كذا سنوات نَعِمَت بها بعض الرعايا من نعمة توحيد موعد الفصح بحريتها التامة.

في هذا السياق لا بد أن استذكر ما كتب سابقا على صفحات التواصل الاجتماعي بهذا الخصوص وخاصة في حيفا، (مقال الدكتور حاتم خوري بتاريخ 24\4\2021 ، ملحقا لمقال سابق له من سنة 2019 تحت عنوان "سأعيد مع الروم")، ورسالة موجهة الى سيادة المطران يوسف متى من فؤاد أبو خضرة في صفحته الأرثوذكسية، يعاتبه على أنه شارك في جناز المسيح مرتين، مرة على الموعد الغربي وأخرى على الشرقي، وتعقيبا على ما حدث في ترشيحا في السنة الماضية حيث شارك سيادته رعيتها في صلاة المدائح على التوقيت الشرقي وكان قد ودع المدائح في حيفا على التوقيت الغربي. وحدث هذا في رعايا أخرى تتبع نظام توحيد العيد مع الأرثوذكس. وما هذه الكتابات والتعليقات إلا صرخة تقول: "الشعب يريد التوحيد" وأنه هنالك كثير من الأصوات من كل الطوائف تنادي بالتوحيد. هذه الكتابات على صفحات التواصل الاجتماعي هي عتاب صادق يعبر عن وجع، ألم ونقمة على وضعنا نحن المسيحيين في هذه البلاد. صرخة تبطن بداخلها تحذيرا موجها الى العلمانيين في المجالس الراعوية والى الرئاسة الروحية على حد سواء، تحذير من تعميق الشرخ بين الطوائف المسيحية بدل التشديد على اللحمة بينها، تحذير من عواقب التنكر لاتفاق بعض رعاياها على توحيد مواعيد الأعياد. صرخة تقول كفانا مهزلة في هذا البلد. كفانا سخرية في هذا القطر!! نداءٌ الى العلمانيين من كلا الطرفين للتحرك وإسماع رأيهم بالموضوع. فالأكثرية الساحقة من أبناء الرعايا تربطها بأبناء الطوائف المسيحية الأخرى علاقة نسب أو قرابة، جوار او صداقة. أي بلد ليس مختلطا، به شرقيون وبه غربيون، سوى بلدين أو ثلاثة وحتى أبناء هذه الرعايا نجدهم مرتبطين بعلاقات مختلفة مع الطوائف الأخرى من رعايا اخرى.

فعلى صعيد محلي: كيف يا سيادة المطران أثناء مشاركتكم صلاة المدائح على الموعد الشرقي في ترشيحا تطلبون من رعايا بلد لهم سنوات عديدة متفقين على موعد موحد للعيد، ويتعاملون مع المناسبة بكل انسجام ووفاق ومحبة أن يفضوا الاتفاق ويعودوا سنوات الى الوراء؟ ماذا برأيكم يكون موقف الطرف الاخر والأقارب، أبناء العمومة والجيران من هذا القرار؟ ماذا ستكون نظرة الطائفة المسلمة عن فك الوحدة؟ ما هي عواقب هذا الطلب على الصعيد المحلي في الوقت الذي تصلي فيه بموعد أنت تطلب إلغائه؟؟ كيف يمكن أن تفسر قرارك واعلانك بعدم توحيد موعد العيد في الرعايا التي تعيده مشتركا منذ سنين وتشارك معهم في موعد عيدهم الذي ترفضه أصلا؟ لماذا أتيت اذا؟ كيف يا سيادة المطران تحتفل مرتين وتمنع رعية من الاحتفال مرة واحدة مع بعض؟

ماذا تقول للمتناولين الأرثوذكس وكاهنهم وعائلاتهم عندما ناولتهم وشاركوا في المناولة الأولى؟ ماذا تقول للذين رأوا صور المناولة الأولى وكاهن أرثوذكسي بجانبكم على هيكل المسيح الواحد يحتفل معكم بالمناولة الأولى لأولاد كاثوليك وأرثوذكس في كنيسة الكاثوليك؟ كيف يمكنك أن تقول لهم بعد كل هذا لا نريد أن نعيّد معكم السنة المقبلة؟ ألم ترى الفرحة المشتركة وانعدام الفروق بين أبناء الطائفتين؟ ما هو تفسيرك لهذا القرار الذي أخذته؟ كيف يمكنك أن تقنع هذا الرعايا بنزاهة قراركم وأنه ليس مبطنا بغايات أو ضغوطات من أطراف معينة ربما من داخل الابرشية؟

مشاركتكم يا سيادة الراعي (ولك عليها كل التقدير) وقبولكم بمشاركة أولاد الأرثوذكس في احتفالية المناولة الأولى ومناولتهم القربان الكاثوليكي في بعض الرعايا هي الهدف والوسيلة الى التقارب بين الطرفين وكسر حواجز التفرقة المزمنة منذ مئات السنين. هذه المشاركات وغيرها اعترافا بمصداقية مطلب توحيد الموعد في هذه الرعايا من جهة ولكنها تضيف الى الرأي بأن ما يدور بين فئات المسيحيين مهزلة. أليست مشاركتك بالموعدين تفسح المجال للأحاديث والاقاويل والتأويلات التي تجعلنا أضحوكة الطوائف الأخرى التي وان كثرت خلافاتهم يبقى موعد عيدهم موحدا؟ ولا يُفهم من كلامي أنني ضد الاشتراك والمشاركة مع الأرثوذكس في طقوسهم ان كان في كنائسهم أو في كنائسنا فتوحيد الكنائس وليس فقط موعد العيد هي أمنية كل مسيحي.

تاريخيا:

لا أريد أن أعود الى تاريخ الخلاف بين الكنائس وسببه، مع يقيني أن السبب في عدم الاتفاق على توحيد العيد ليس الكنيسة الكاثوليكية وانما خلافات بين رؤساء الكنائس الأرثوذكسية، ولكن للتوضيح: أقر مجمع نيقية عام 325 م الحساب الذي يحدد موعد الاحتفال بعيد القيامة المسيحي بحيث يكون موحدًا في جميع أنحاء العالم، ووافَق على العمل به جميع أساقفة روما وأنطاكية وأورشليم في ذلك الوقت، بناء على ما كتبه لهم البابا ديميتريوس في هذا الشأن، وراعى هذ التقويم أن يكون يوم أحد لأن قيامة المسيح – حسب الإيمان المسيحي- كانت فعلًا يوم أحد، وأن يأتي يوم الاحد بعد الاعتدال الربيعي (21 آذار)، وأن يكون بعد فصح اليهود لأن القيامة جاءت بعد الفصح اليهودي، بحسب ما ذكر في الأناجيل الأربعة.

 استمر موعد الاحتفال بعيد القيامة موحدا عند جميع الطوائف المسيحية في العالم، طبقًا لهذا الحساب حتى عام 1582 م حين أدخَل البابا جريجوريوس الثالث عشر بابا روما تعديلا على هذا الترتيب، بمقتضاه صار عيد القيامة عند الكنائس الغربية يقع بعد اكتمال البدر الذي يلي الاعتدال الربيعي مباشرة، بغض النظر عن الفصح اليهودي.

من هنا يتضح أن الكنيسة الكاثوليكية الغربية هي التي أخلت بالاتفاق وبمقررات مجمع نيقية. وسارت عكس ما ورد في الاناجيل، والكنيسة الكاثوليكية الشرقية انجرت وراء تعديلات البابا الغربي بدون الاخذ باعتبارات المجتمع الشرقي. فاذا كان هذا التعديل حدث قبل 439 سنة دون الاخذ باعتباراتنا نحن في الشرق، فما المانع أن نعود اليوم الى الاتفاق بين جميع الكنائس المسيحية، وإذا كان الغرب هو المخل بالالتزامات فما علينا نحن بالشرق الى أن نعود الى الأصول والى ظروفنا ومتطلباتنا الاجتماعية والى ما كتب بالأناجيل ونعلن موعد العيد كما كان في مجمع نيقية. للتذكير التقويم العالمي اليوم تسير عليه جميع دول ومؤسسات العالم بما فيه كل الكنائس من شتى الطوائف.

صحيح أن المشكلة اليوم بتوحيد موعد العيد هي انقسامات الكنائس الأرثوذكسية وعدم الاتفاق بين بعضهم البعض، ولكن رئاسة هذه الكنائس بعيدة كل البعد عن شرقنا ومجتمعنا العربي بكل مشاكله والتحديات التي يواجهها، لا تفهم أو لا تتفهم ارتباطاتنا وعلاقاتنا ببعض وعاداتنا ورموزنا كعرب مسيحيين في هذا المشرق. حتى الغرب اللاتيني او غير اللاتيني ليس مهتما بما يجرى لنا كمسيحيين هنا في بلادنا على الساحة السياسية أو الاجتماعية وحتى الدينية والدلائل على هذا كثيرة (ماذا فعلوا عندما أحرقت الكنائس أو أهينت الكهنة في القدس). فنحن أدري منهم بما يتطلبه مجتمعنا.

ولا بد من وقفة مع الصلوات: فما المقصود بالصلاة عندما نرفع أيدينا الى السماء ونصلي لوحدة المسيحيين والكنائس؟ عندما يطلب الكاهن ويقول: "لأجلِ سلامِ العالمِ أجمع وثباتِ كنائسِ اللهِ المقدَّسةِ واتحادِ الجميع، إلى الربِّ نطلب". أي سلام وبين من؟ أي كنائس يقصد؟ أي مؤمنين يقصد الكاهن عندما يرفع يديه ويقول علنا: "لأجلِ هذه البلدةِ (أو هذا الديرِ المقدَّس) وكلِّ مدينةٍ وقريةٍ والمؤمنينَ الساكنينَ فيها، إلى الربِّ نطلب". هل المؤمنون الساكنون فيها هم الكاثوليك أم اللاتين أم الأرثوذكس؟ وكلهم يؤمنون به؟ من هم المسيحيون الذين تذكرونهم بصلواتكم؟ أهم فقط الكاثوليك أو فقط اللاتين أو الأرثوذكسيين؟

قال البطريرك لحام في افتتاح المؤتمر الأنطاكي 26/6/2014: "البطريركية الأنطاكية هي الأكثر تفاعلاً باتجاه الشرق والغرب. وهي الأكثر تفاعلاً مع الإسلام والمسلمين ومع العالم العربي ومع العروبة، مُيّزت البطريركية الأنطاكية بنوعٍ خاصٍّ بأمانتها للوحدة المسيحية، فلم تنجرَّ وراء تيارات الانشقاق الذي شقَّ ثوب الكنيسة على مراحل مختلفة وبقيت أنطاكية خارج الصراع بين روما والقسطنطينية، وكانت تُربتها الأكثر قبولاً لبذور ومحاولات الوَحدة بين المسيحيين… وفيها ثلاث طقوس أنطاكية: الطقس اليوناني (البيزنطي)، والطقس السرياني، والطقس الماروني المتفرّع عن السرياني، وفيها خمس طوائف متفرّعة من هذه الطقوس: الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك، والسريان الأرثوذكس والسريان الكاثوليك والموارنة. وتتعايش هذه الطقوس والطوائف والكنائس والبطريركات الخمسة بطريقة حقًا نموذجية فريدة."

فكيف يتساوى هذا الخطاب مع وضعنا الحالي؟ ماذا عملنا من أجل الوحدة؟ وكيف يتم التعايش إذا كنا نرفض أن يكون في بعض بلداتنا اتفاقا على الأقل على توحيد موعد العيد الذي هو بصيص أمل لوحدة الكنائس؟ لا أطالب بتوحيد العقيدة ولا بتغيير الطقوس التي هي أصلا متشابهة، وانما نطلب فقط توحيد الموعد.

لماذا على الرعايا الملتزمة بالتوحيد التراجع عن التزاماتها بعد هذه المدة الطويلة؟ مع العلم أن مستشاري المطران من الكهنة كانوا شركاء باتخاذ قرارات توحيد موعد العيد في بعض الرعايا كونهم رؤساء للمجالس الرعوية فيها.  هل سألتم الرعايا عن موقفها ورأيها ورغبتها بالموضوع قبل اتخاذ القرار؟  ألا يوجد اعتبار لموقف العلمانيين وتفهم لطبيعة العلاقات بين أبناء البلد الواحد وللارتباطات العائلية بين الطوائف بداخل البلد الواحد؟ أي مضرة من توحيد موعد العيد على الأقل محليا. فكفة الحسنات عديدة على كل الأصعدة، اجتماعيا، سياسيا، اقتصاديا دينيا ..... ربما الفائدة ليست كلها آنية ولكن بعضها مستقبلية حتما آتية.

 إنني أعلم أن الرعايا الأرثوذكسية بخلاف الكاثوليكية ليس لها مطرانا واحدا او بطريركا واحدا يستطيع أخذ القرار الجماعي، وهذا مما يُعّقِد الامر لديهم، وهذا سبب عدم ردهم على اقتراح الكنيسة الكاثوليكية بجعل 14 نيسان موعدا ثابتا من كل سنة كموعد لعيد الفصح. لا أريد الخوض في هذه الأمور ولكن الاعتبارات المحلية تعلو على الاعتبارات الاخرى، فما دامت الرعايا ورعاتها متفقون على توحيد موعد العيد اتركوها لاعتباراتها ولا تفرضوا عليها اعتباراتكم!! ألم تلاحظوا أنه هذه السنة في سوريا ولبنان والاردن كان توحيدا لموعد الميلاد، فما المانع أن نوحد موعد الفصح عندنا. أذا كان هناك اتفاق بين الرعايا على توحيد موعد عيد الميلاد والفصح والتزام الأرثوذكس بتوحيد موعد الميلاد، لماذا علينا نحن الكاثوليك التراجع عن مواقفنا؟ هل فكرتم بالضرر الاجتماعي الناتج عن تراجعنا عن التوحيد على الصعيد المحلي؟

على القيادة الروحية في مطرانية عكا وحيفا، ونتيجة لتركيبة المجتمع المسيحي في الغالبية الساحقة من القرى التي تتبع الأبرشية، اتخاذ قرار جريء بتوحيد موعد عيد الفصح في جميع الرعايا وليس فقط المختلطة، موقف يتطلب جرأة من القيادة الروحية يرفع من شأن الكنيسة وقيادتها.

العيد، وكل عيد هو رمز، نعيده لذكرى، وإذا كانت ذكرى وموعدها ليس ثابتا دينيا فما من ضرر بتغيير موعدها بناء على الظروف الاجتماعية والديموغرافية في كل بلد وبلد. فاذا كنا لا نلتزم بالنص الإنجيلي فلم يبق لنا الا ان نعتبر العيد ذكرى اجتماعية وحدث اجتماعي يجمعنا نحن المسيحيين حول فكرة واحدة وهي آلام، صلب وقيامة المسيح وبهذا يصبح الموعد غير مهم ومن الأفضل ان يكون توحيد موعد الفصح قطريا وليس فقط محليا. ان الجانب الاجتماعي الموحد مهم لنا كمسيحيين في هذا الشرق أو البلد المنكوب اجتماعيا يحمينا من التشرذم والتباعد، ويوحدنا ويقوينا بدعم الكنيسة لنقف بوجه التحديات والتيارات المفرقة.

هل ننتظر من يفرض التوحيد على المؤسسة الدينية أو ثورة علمانية تفرض طلباتها على القيادة الروحية، وهذا ما لا نحبذه ونعي خطورته على الكنيسة. كما حدث في الأردن قبل حوالي ثمانين عاما اذ فرض التوحيد على الطوائف من منطلق اجتماعي لا أكثر ولا أقل وقبلت به كل الطوائف المسيحية في الاردن. فإذا كان ما حدث في الأردن مقبولا على الرئاسات الدينية لطوائف الأردن المسيحية ويسيرون عليه منذ حولي الثمانين عاما، فلماذا لا يكون مقبولا عندنا هنا. أليست هي نفس الرئاسات الدينية التي باركت المبادرة الاردنية.

 لا شك أنه هنالك أفراد من الطرفين يعارضون توحيد الموعد من منطلقات مختلفة أحيانا غير منطقية وبدعم من قيادات روحية كل هدفها أن تعرقل وتمنع التوحيد بواسطة استمالة بعض العلمانيين الى جانبها مما يزيد التخبطات والتشرذم والتباعد بين المجموعات المسيحية لأسباب وغايات لا مجال لذكرها الان.

هذا رأيي وليس مفروضا على احد، قد يعجب البعض وقد لا يعجب كثيرين، ولكنه مادة للتفكير، للتفكير في مجتمعنا ومستقبلنا ووصع حد لهذه المهزلة السنوية. يجب ألا يبق الوضع على ما هو، بظروفنا يجب اتخاذ قرار عام جريء بتوحيد موعد العيد في جميع الرعايا وليس فقط إعطاء الحرية لبعض الرعايا. خطوة جريئة كهذه تعيد للمطرانية ورئاستها مكانتها وتجعل منها رمزا للتغيير المنشود. والى أن يتم هذا الامر اتركوا الرعايا التي كانت توحد موعد العيد تستمر بتوحيدها لأنه باستمرارها على هذا النهج يستمر بريق الامل يلمع امامنا الى مستقبل أفضل.

كل عام وأنتم بخير

 مازن نحاس، ترشيحا 12/1/2022