خواطر من الحجر الصحي- بقلم المربي مازن سليم نحاس- ترشيحا

خواطر من الحجر الصحي

أولا ما أكتبه هنا ليس تعبيرا عن ظروفي الشخصية وإنما هي خواطر قد تدور برأس كل شخص أصيب بالفيروس. الظروف تختلف من شخص الى آخر ومن عائلة الى أخرى وحتى من جسم الى آخر. اعترف أن بعضا من هذه الخواطر مررت بها شخصيا وأنا واثق أن كل من أصيب بالفيروس مرَّ بأغلبها.

ثانيا تعمدت عدم ترتيب الافكار لأن الخواطر والأفكار لا تأتي مرتبة بالرأس وإنما تتشابك.

تحدثت مع كثيرين خلال فترة الكورونا من الذين دخلوا الحجر الصحي بسبب إصابتهم بالفيروس على انواعه. دائما كنت اسألهم عن الجانب الصحي من مرضهم: كيف انتم والمرض، انشاءالله جاي خفيف، ماذا شعرتم؟ وأسئلة أخرى تتعلق بهذا الجانب. لم يخطر ببالي أن أسأل كيف مر عليك الحجر من الجانب من الجوانب الاخرى غير الصحية. حتى جاء دوري ودخلت الحجر، عندها فقط انتبهت الى ان الحجر له جوانب اخرى قد تكون اشد قسوة على الإنسان من الجانب الصحي.

الهاجس الأول هو البداية، المؤشر، يوم الاربعاء ليلا شعرت بوخز في حلقي. شككت أن تكون هذه علامات الكورونا،. من باب المسؤولية صباح الخميس، قبل الذهاب الى العمل أجريت فحصا بيتا وكانت النتيجة سلبية، اطمأننت، ذهبت الى العمل وفي ساعات الصباح الأولى ساءت الأمور قليلا فقررت أن أعمل فحص ال PCR . طبعا لم استمر بالعمل فذهبت الى البيت حيث بدأ لدّي بردية، عندها تيقنت أن النتيجة حتما ستكون ايجابية. رقدت في الفراش نتيجة البردية، من الظهر حتى حوالي السادسة مساء، زالت البردية ولم يكن هناك أية عوارض أخرى للمرض دون أخذ حبة دواء واحدة. الساعة التاسعة بعد أن انتهت العوارض تقريبا، وصلت النتيجة الإيجابية تؤكد الاصابة بالفيروس.

وللمعلومية حين كنت أصاب بالكريب كانت عوارض المرض أقسى بكثير من عوارض الكورونا التي واجهتها وتدوم فترة زمنية أكثر. مع هذا الفيروس حتى الحرارة لم ترتفع . في اليوم التالي بدأت تخف الأعراض لدرجة انعدامها في اليوم الثالث. هذا يعني أنني أصبت وشُفيت من الفيروس حتى قبل وصول نتيجة الفحص. مما جعلني أفكر وأتساءل لما كل هذا التخوف من المرض؟ وهذا أكد لي بعض وجهات النظر أن هناك حملة تخويف من الفيروس وتداعياته لأمر في نفس يعقوب. اعلم أن الأجسام ليست مثل بعضها وكل انسان وظروفه الصحية ولكن هذا واقعي وواقع كثيرين….

صحيح أن مدة المرض كانت قصيرة، وطويلة بحكم التعليمات، ولكن مع قصرها تمتد فيها الأفكار والهواجس ما بين البداية والنهاية. الأوجاع والآلام عند بعض المصابين قد تُنسى في كثير من الحالات الجوانب الأخرى. ترقب نتائج الفحص صعب، تُشغل مخ الإنسان بتساؤلات وهواجس: متى تظهر النتيجة؟ لماذا تأخرت النتيجة؟ فحصي البيتى سلبي ماذا ستكون نتيجة ال PCR ؟ هل سوف يؤكد ام سوف ينفي؟ تدور برأسك الاف الافكار، تحاول استبعاد العدوى، واعتبار ما يمر بك هو كريب عادي. وتبدأ حوارا داخليا :أين كنتُ قبل يوم أو يومين؟ مع من التقيت؟ هل انتقلت العدوى إلي من عائلتي أو من غيرهم؟ للاسف كلها أسئلة بدون إجابات، ومن السخف أيضا أن تبحث لها عن إجابات لها. فالفيروس منتشر بين الناس بكثرة، موجود في كل مكان، لا يمكن أن تدري من أين يأتيك حتى لو كنت مع كمامة أو اثنتين.

تمر ساعات الترقب، وإذ تأتيك الرسالة المُبّشرة بأنك مصاب، تنزل عليك النتيجة كالصاعقة.أنت حامل للفيروس، لا خوفا من المرض وإنما من تداعياته والجوانب الأخرى التي له. العمل، البيت، الاهل الاقارب ال….. تبدأ دورة جديدة من التساؤلات. كيف سيؤثر عليّ؟. هل سيمر خفيفا أم سأعاني من نتائجه. وتقول بنفسك اذا مر اليوم الأول بدون عوارض تُذكر معناها سيمر علي خفيفا. تشل حركتك وتفكيرك بانتظار أن يمر اليوم الأول حتى تطمئن على مستقبل الأيام القادمة وتبدأ سلسلة من الأفكار الغريبة العجيبة تمنعك وتشلك عن فعل أي شيء ولا القيام بأي شيء لأن بالك مشغول.

الأصعب هو حرصك على عدم نقل العدوى للآخرين الذين يعيشون معك. في بعض الحالات تنزوي بغرفة يُدخلون لك الأكل والشرب. وماذا عن حاجاتك الشخصية الأخرى إذا لم يكن متوفر بغرفتك كل وسائل الراحة.

يمرَّ اليوم الأول. ما من عوارض تذكر. هل هي مؤشر للقادم؟ قرارك انه يجب ان تتعامل مع الواقع الموجود، ولكن لا يمكنك أن تعيش حياتك الطبيعية. القوانين تحتم عليك أن تبقى منزويا بعيدا حتى عن اعز الناس اليك . حتى احفادك تراهم اما عن طريق الواتس اب او من الشباك لا يمكن الاقتراب منهم أو من أهاليهم. دائما تشغلك الأيام القادمة وكيف ستقضي كل يوم بيومه؟

يمر اليوم الأول بدون تغيرات صحية تذكر ، لذا تقنع نفسك انه بما أنه ما من تغيير صحي سيحدث لذا يجب أن تفعل شيئا يساعدك على تمرير الوقت المتبقي لك بالعزلة المفروضة عليك.

إذا كنت من هواة التلفاز والمسلسلات التركية والعربية الطويلة قد تقضي الساعات بمشاهدتها وساعات بالنوم فيمر الوقت. ان كنت من النشيطين على الفيس بوك او وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى يمكن أن تصرف كثيرا من الوقت عليها، وإن كنت من هواة القراءة تقرأ كتابا ولكن كم ساعة يمكنك ان تقرأ كل يوم؟ ان كنت من هواة الكتابة يمكنك كتابة مقال او قصة او… والاصعب ان لم يكن لديك أي من هذه الهوايات فكيف تمر عليك الساعات؟

لا اتطرق الى الحياة الاجتماعية البيتية في هذه الظروف التى تحتاج الى الكثير من التروي وتقبل وتفهم الآخر.

وان كنت انت من يقوم بكل المهام البيتية الخارجية عندها تشعر بشلل البيت وتنتظر ابناءك ان يقوموا بها ومن بعيد .

ويمر اليوم الثاني من المدة المحددة للحجر، لم يتغير شيء صحيا. ولكن الشعور بالقلق من كيف ستمر الأيام التالية يزداد. كيف يمكنني ان الزم غرفة الحجر لوحدي ساعات تلو الساعات مع انني لا اشعر بأي مانع صحي يمنعني من الخروج سوى التقيد بالتعليمات. وبدأت اقتنع أنني مرضت بالفيروس وتعافيت حتى قبل وصول نتيجة الفحص.

من الهواجس الاخرى هو انتظار مكالمة أو زيارة من الشرطة للتأكد انك تنفذ التعليمات. واليوم لا يقومون بالزيارة بل يرسلون رسالة على الهاتف عليك الرد عليها لتأكيد موقعك عن طريق الهاتف، أمر بمنتهى الاستخفاف بعقلية المحجورين مع أنهم في بعض الحالات غير ملامين.

ينشغل تفكيرك بشكل دائم بكل خطوة لك بالبيت: هل بالمرات التي خرجت بها من عزلتي مضطرا نقلت العدوى إلى أحد من أبناء بيتي، فحوصات بيتية صباحا ومساء، ترقب من جديد. هل دخل الفيروس بيتي ولن يخرج الا بزيارة أجساد عائلتي كلها.

ويجول بخاطري سؤال آخر: هل ظروف كل المصابين متشابهة، هل مناعتهم تقاوم كما قاومت مناعتي، هل لجميعهم يوجد ظروف تسمح لهم بدخول الحجر بدون عدوى الآخرين، هل جميع المصابين يتحملون المسؤولية تجاه أنفسهم، عائلاتهم ومجتمعهم. أم انتشار العدوى بالشكل الذي نعرفه اليوم سببه انعدام المسؤولية.

هكذا عندما يأتيك أمر الحجر دون أن تكون متحضرا له مسبقا. لا غرفة حجر ملائمة مع جميع وسائل الراحة. لا تلفزيون لمن يحبه، ولا تجهيزات خاصة تناسب حجر خمسة ايام لشخص وحيد بين اربع حيطان. طبعا هذا غير متوفر في جميع البيوت وطبعا لا يمكن التنبؤ بقدوم الحجر لتحضيره. خاصة اذا كان لديك الشعور بأن هذا لن يصيبني.

ويبدأ اليوم الثالث بعد أن يكون الجسم قد ارتوى من التمدد والنوم. ينتابك الشعور بأنك قادر عاجز. قادر على القيام بكل اعمالك الروتينية التي كانت قبل الحجر وعاجز عن تنفيذها بسبب القوانين والتخوف ان ما عندك قد ينتقل الى الاخرين اذا خالفت التعليمات. الموضوع ليس فقط عدم مخالفة التعليمات وإنما الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين وخوفك عليهم.

اثنان وسبعون ساعة بعد الفحص، اليوم الثالث، يبدأ فكرك ينشغل بالذين حولك، هل نقلت إليهم العدوى، يجب عمل فحص PCR لا يكفي الفحص البيتي. الترقب وانشغال البال من جديد حتى ساعات الليل المتأخرة فتأتي النتيجة لنبشر لك أن العدوى لم تنتقل. تطمئن على سلوكك وسلوك من معك بالمنزل. هم أزيح وراحة بالتفكير.

اليوم الرابع، الفحص الأول للخروج من العزلة. فحص بيتي، ماذا ستكون النتيجة، هل هناك بقايا من الفيروس في جسدي قد تمنعني من الخروج من الحجر وتمديده، أم أن هذه بداية النهاية. ومرة أخرى ترقب وانتظار ساعة عمل الفحص.للأسف فحصي البيتي أظهر أن الفيروس ما زال يرافقني. كيف يمكن أن يكون هذا بدون أية عوارض ابدا!!! هل غدا سيتغير ويتركني، أم ستمدد فترة الحجر. فأنام على أمل….

في اليوم الخامس، يوم الفحوصات صباحا وظهرا ومساء وكلها للأسف تبدد آمالي وتأكد شكوكي بأن الفيروس ما زال موجودا. هذا يعني تمديد الحجر بحسب التعليمات. فهل سيكون يوما سادسا وسابعا؟ ويعود السؤال كيف يمكن أن يعيش الفيروس في جسم كل هذه الفترة دون احداث تداعيات أو عوارض؟ سؤال محير!!! والمحير أكثر هو أني مرضت وشفيت بات اليوم قبل وصول النتيجة بأني مصاب. وما حز في هو الحجر بدون فائدة صحية لك. ولكن التعزية أنها قد تمنع العدوى الى آخرين قد تكون ظروفهم الصحية مختلفة.

ايام الحجر هذه اعتقد انها شبيهة بالسجن الفرق انه بالسحن قد تجد زملاء تتسلى معهم. أما بالحجر فأنت وحيطان غرفتك. وبما أنه قد يكون هنالك تمديد بدون تغيرات قررت أن أكتفي بهذه القدر ولكم الحق بالزيادة أو الإنقاص كل حسب ظروفه والحالة التي مر بها.