02
أكتوبر
رسالة الى يسوع الفادي- زهير دعيم
زهير دعيم
تحية ولا أروع مُضمَّخة بعطر عباهر الجليل وزنابقه ، ومؤرجة بعبير سوسنات جبل
الزيتون ، التي طالما تغذت من لفح أنفاسك الوردية وبعد : سيدي في مثل هذه الأيام
قبل ألفين ونيِّف من السنين ، وفي ليلة كانت للتاريخ تاريخًا ، حطت عصا ترحالك
وصحبك في بستان الجسثماني ، فمشى الطُّهر في كل زاوية فيه ، ورحت ترفع صلاة
ما فتئت سيمفونية في فم الحياة ، بينما نبتت من قطرات عرقك المتساقطة كالدم
برقوقات شامخات لا تعرف الذبول . إنّ خطايانا البشرية يا سيدي والتي وضعتها طوعًا
على كتفيك ثقيلة ثقيلة ، تجرح منك النَّفس والبدن ، وأنت يا حَمَل الله ما جئت إلا
لفدائنا وحمل أثقالنا وهمومنا وأوجاعنا . ذقناكَ يا سيد فكنت دومًا عسلا لأفواهنا ولكن
– لا أقول سّرا – فأنت فاحص القلوب والكلى ، نعم أقول إننا نصلبك كل يوم ، ونبيعك
بثلاثين من الفضّة في كل ساعة ، وننكرك قبل صياح الدّيك عشرين مرّة ، ونسقيك
خلا ونضفر لك إكليلاً من الشّوك في كل فصح ، ونراهن على ثوبك في كلِّ عام ،
فالخطيئة يا رب الحياة متأصلة في نفوسنا ، يزرعها أسد زائر لا يردعه إلا صليب يجوس
في هذه النَّفس طولا وعرضًا . لكم أتوق يا هادم الهيكل وبانيه الى موعظة الجبل
والى المحبة الّلامتناهية ، والى عشق الأعداء والذوبان في حنان لا يعرف الحدود ،
يموت وفي فيهِ ترنيمة الأزل " اغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون "
سيدي ، انتظروك فارسًا تمتطي صهوة حصان قُدَّ من الليل يروح يهدم القلاع ويروي
الأرض دمًا ودموعًا ويُتمًا .
خيَّبت ظنّهم يا سيّد ، فقد جئت فقيرا مُعدمًا لا تجد مكانًا تسند إليه رأسك ، وأنت
الغنيّ ، ورحت تجالسُ الخطأة والعشّارين وتدعو إلى محبة الأعداء .
أراك بعين الإيمان يا يسوع وأنت تخربش على الأرض والزانية أمامك وغلاظ الرّقاب
يخرجون واحدًا واحدًا والخجل يعتصرهم ، بعد أن ألقمتهم هذه الكلمات الهادرة : " من
كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولا بحجر " خرج الجميع وبقيت وحدك يا من لم يعرف
خطيئة .
يسوع ؛ يا من أكملت مهمتك على الصَّليب ، وانتصرت على الموت بالموت في عقر
داره ، أحثّك على القدوم ثانية فأيام نوح عادت أمرّ وأدهى ، والمسحاء الكذّابون
يطلعون كل يوم في ثياب برّاقة من قشور التقاليد والكراهية العمياء والحقد .
وأنا اعرف يا الهي ان يومًا عندك كألف سنة ، ولكن ماذا أقول والبشرية اليوم عادت إلى
أيام بيلاطس حيث للذبيحة كرامة لا للرحمة .
يسوع ، لن أطيل عليك ، ولكن في فمي طلبة صغيرة وأنا على يقين بأن بمقدورك
تحقيقها فهاكها .
لكم أتمنّى يا سيدي آن تغسل بدمك الطاهر البشرية جمعاء ، أما أنا فيكفيني أن أكون
كذاك الذي سرق الفردوس وهو على الصليب ، وأخيرًا عجِّل يا يسوع فأنت وعدْتَ
بزيارتنا ثانية ..... إنّا ننتظر .

